الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 لم أطل من نافذة في البيت الذي وفدت فيه الى الدنيا، لانتفاء الامكانية، مثل بيوت الصعيد العتيقة كان مفتوحا على الداخل، الباب الرئيسي فقط يجتازه الداخل أو الخارج، الغرف حول الفناء المتصل بالكون لا سقف له، الى الركن الأيمن الفرن، على مسافة منها الصومعة التي يحفظ فيها القمح أو الذرة وحبات الدوم. غرف ثلاث، تطل بأبوابها وعتباتها على الفناء. على الجدار طاقة صغيرة، السلم يؤدي الى الطابق الثاني، سطح تتكدس فيه أعواد البوص وأقراص الجلة، أي ما يلزم لوقود الفرن، بحري غرفة علوية تطل على الرحبة التي تنتظم حولها البيوت، يتخلل جدارها نافذة، لكن لا يمكن النظر منها. ارتفاعها يفوق قامة انسان بالغ، فتحت لمرور الهواء، وليس للنظر. النافذة الأولى في غرفة لا أذكر لحظة وصولي اليها، ولا أقدر على استعادة أيامي الاولى. أي لمحات منها. أول الصور ترجع الى عامي الثالث، وبالتحديد سنة ثمانية وأربعين، خروجنا ليلا والعتمة عميقة والنجوم كثيفة. أضواء كشافات الدفاع الجوي تمسح الفراغات العلى بحثا عن طائرات اسرائيلية مغيرة، فيما تلي ذلك ومع سريان سعيي عرفت انها الغارة الوحيدة التي شنها سلاح الطيران المعادي المبتدئ، وقتئذ قدر للحظة من الوقت أن تبقى كعلامة أولى في ذاكرتي، أما ما يسبق فلا أثر له عندي. وصفت تلك اللحيظات في «كتاب التجليات» فليطالعه من يرغب. اقامتي مع الأهل في غرفة، مستطيلة الفراغ، الطابق الخامس الأخير، الباب يؤدي الى السطح الفسيح الأصل بالأفق الدائري، الى دورة المياه المجاورة، أما النافذة ناحية الغرب. الفراغ الذي تؤطره مستطيل، تطل على الدرب منها يمكن التطلع الى الافق الذي تأوى اليه الشمس وتلوح عبره الاهرام. غير أن اطارها يتجه بالبصر الى البيوت المتجاورة، المتلاصقة، التطلع الى الفراغات من السطح، لكن عبر النافذة تتحدد الرؤى، ربما لأن ثمة اطاراً يوحي ويوجه، على قدر النافذة تكون الرؤية، شكلها يؤثر، دائرية أو مربعة أو مستطيلة كنافذتي الأولى تلك على الوجود الموجود، المرئي. منها أطلت النظر، أمعنت ورحلت بالبصر، تابعت ورصدت وأطلقت العنان. لا أعرف كيف اكتشفت نعمة النفاذ بالبصر عبرها من الواقع المحدود، من فراغ الحجرة المؤطر، الى الخارج، الدرب بالنسبة لي كان الخارج وقتئذ. لابد أنها جلسة أمي، بعد أن تنتهي من شغل البيت، والذي يبدأ بترتيبه، وتنظيفه، وغسيل الملابس واعداد الغداء قبل عودة الوالد من عمله في الثالثة بعد نشرة الأخبار التي حفظت لحنها المميز المنبعث من المذياع الوحيد في الحارة لدى السيدة روحية التي تسكن تحتنا، يخرج أبي بعد الظهر قاصدا مسجد وضريح مولانا الحسين، ثم الى فندق الكلوب المصري حيث يلتقي بالقادمين من جهينة والنواحي الأخرى، ويسامر الحاج عبده النوبي المدير النهاري وعبدالمقصود أفندي المدير الليلي، ضخم الهيئة الذي يرتدي معطفا ليلا ونهارا. تطل أمي من النافذة تشم الهواء وتشوف الناس، تدعوني الى جوارها، وترقب، تتابع تبديدا لوحدتها، لم يكن لها صلات واسعة بالجارات، وربما تطبيقا لما يردده أبي دائما «الاختصار عبادة». العصاري عبر النافذة للصمت والمتابعة، للنظر والمراقبة، أعتدت أيضا التطلع واقتفاء لحظات النهار الراحل، واقبال الليل. الى ما قبل دخولي المدرسة الابتدائية في السادسة من عمري لم يسمح لي باللعب في الحارة لمخالطة الأطفال، لكنني لعبت صبيان وبنات مع كاميليا وعزة من ابناء البيت، درجات السلم حجرات. وعلب الكرتون الصغيرة الفارغة من سجائر سمسون، والدكتور البستاني، وبلمونت. أثاث البيت، الطابق الأسفل مقر وظيفتي. عرفت الحب عبر النافذة لأول مرة عند جلوسي الى جوار أمي وشقيقي الذي لم يتم عامه الأول مستسلماً راقداً على حجرها. عيناها تتجهان، تسافران الى نقطة ما، تبدءان من داخل الحجرة وتسعيان صوب مجهول غير محدد بسبب النافذة، لو انها تتطلع الى الجدران لتمددت المسافة، لاتضحت البداية والنهاية. لبان القيام والوصول ولكن النافذة تزيل أي حاجز، تلغي المدى، أنها الوصل بين المحدود والمؤطر واللا محدود، بين الداخل والخارج، لذلك تبدو أي نظرة عبرها مغايرة أيا كانت مساحة الفراغ في الخارج، سواء قامت بناية في المواجهة أو لم تقم. سواء كانت الاطلالة على درب أو حارة أو شارع أو أفق مفتوح، لا نهائي. بنايتنا أعلى البيوت في الدرب، خمسة طوابق، يمكن للرائي ان يتابع ويرقب سائر من يشرق عليهم بدون أن يلحظه أحد. ربما من تلك الأيام اعتدت التحديق عبر النوافذ الى الافق، أو النظر الى مايواجهني، تخيل الصلات واستنتاج العلاقات، عندما أصل الى فندق، أو مقر جديد أبلغه لأول مرة. قبل أن أفتح حقيبتي، أتطلع عبر النافذة أو الشرفة الى ما يمكن رؤيته، سواء كان ممكنا فتح المصراعين أو لا، ربما يعود ذلك الى اطلالة العصر تلك وقعادي صامتا بجوار أمي. ترى ماذا جال بخاطرها عبر تلك السرحات؟ لا يمكنني أن أعرف، ولن.. لا أقدر الا على الاستعادة، الاجتهاد في التذكر، لعل وعسى، النوافذ خير معين، لأن جميعها أطر، صغر حجمها أو اتسعت، ولأنها تحدد وتعين المنظور وما يمكن للبصر أن يراه، فالتحديد لا ينطبق على المكان فقط. انما على الزمان أيضا، فما يمكنني استعادته من تلك القعدات لا يبدو فيه ما يقوم داخل الحجرة، انما ما كنا نتوجه بالبصر اليه، الفراغ الممتد حتى الأفق، ودرجات عند الأصيل، قدوم الغروب واكتمال الليل عبر المدينة التي تبدو لنا حتى خلاء الاهرام، في الاربعينيات وحتى الستينيات كانت المباني المرتفعة محدودة، معروفة بالاسم، عمارة غمرة ويمكن تمييزها خاصة ليلا باعلان ملون عن مياه غازية، وعمارة الايموبيليا وسط المدينة، وفي الستينيات ظهر برج نحيل، مرتفع ناحية جاردن سيتي، مطل على النيل، عرف باعلان السجائر الذي كان يعلوه، تماما مثل عمارة غمرة التي تقع عند مفترق طرق، شارع الملكة، شارع رمسيس فيما بعد، والسكة المحاذية للخط الحديدي. من يعرف ملامح المدينة، وأسماء البنايات الشهيرة، قصر عابدين، المجمع، ناحية جاردن سيتي حيث القصور، خاصة قصر الدوبارة، ومبنى المطافئ والبريد والأوبرا وفندق البرلمان ناحية العتبة الذي ينزل به اعيان الصعيد ومنهم اثرياء جهينة وعضو البرلمان عنها. أمي تعرف بيوت المارة، تنسب الشقق الى النسوة اللواتي يقمن بها، فهذه شقة أم سعيد، وتلك أم أحمد الاخوانجي، وتلك شقة سعودي الجزار في بيت الفص، وأم فادية زوجة البنان، وتلك أم يوسف، ومن لا تعرفها جيدا تطلق عليها وصفا. لا أذكر الا سيدة واحدة كانت تقيم بالطابق الأرضي قرب فرن الحاج ناصيف، كانت تصفها بالحلبية، ربما لأنها كثيرة الشجار، تقف حافية في الحارة وبدون ملاءة لف، بقميص النوم الذي يبرز ولا يخفي، تأتي من الحركات ما يدفع بالأمهات الى اقصاء الأولاد عن النوافذ والشرفات حتى لا يخدش حياؤهم، أو يخدش أسماعهم لفظ يستقر في الذاكرة فيتسرب اليهم ما يفسد ويشين ورغم ابعاد الصغار والشخط في الأولاد الا أن النساء وبعض الرجال الذين يتصادف وجودهم للراحة، أو لأن أعمال بعضهم ليلية، يخرجون ليطلوا ويتفرجوا، أحيانا تأتي الحلبية بأمور غير متوقعة، مفاجئة، كأن تتجرد حتى من قميص النوم، أو تهجم على خصمتها وتمسكها من شعرها تطرحها أرضا. وتغرس أسنانها في موضع لين، دسم. أمي تبادر الى اغلاق النافذة، رغم أنها مرتفعة، ولكنها تخشى الزعيق وما تقدم عليه تلك الحلبية، تنتابها خشية، ربما لا يجسده الوصف الذي أطلقته على المرأة، الحلبية نسبة الى الحلب كما يعرف الغجر الرحل في الصعيد. مجموعات رحل ينزلون على أطراف المدن والقرى يحترفون الرقص والغناء واللعب مع القرود وسرقة الأطفال، والدواجن، أحيانا الرجال، لنسائهم جلدة وجذوة وقدرة على الغواية وتليين أنشف العقول وأمنعها، كثيرون هاموا ببعضهن، تركوا بيوتهم وسعوا خلفهن، الى الأسواق والمضارب والموالد والخرابات بمجرد ظهورهم يبادر الجميع الى منع الصغار من الخروج الى الساحات، الى منع اللعب أمام البيوت، التشديد على عدم فتح الأبواب الا بعد التأكد من الطرق.