الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 في جامعة «ييل»، احدى جامعات المقدمة في الولايات المتحدة اقامت مجموعة من الطلاب الأميركيين في الحرم الجامعي «نقطة تفتيش» على غرار نقاط التفتيش الاسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. يقف عدد من هؤلاء الطلاب عند «نقطة التفتيش» وهم يرتدون الزي العسكري الاسرائيلي حاملين «أسلحة نارية» غير حقيقية.. يستوقفون زملاءهم من الطلاب المتوجهين الى المدرج «للتفتيش».. محاكاة لممارسات الجنود الاسرائيليين تجاه الفلسطينيين. هذه المجموعة الطلابية هي احدى عدة مجموعات متماثلة ظهرت مؤخراً في كبرى الجامعات الاميركية كظاهرة تأييد للشعب الفلسطيني ضد إسرائيل. وهكذا بعد انقشاع غبار تفجيرات سبتمبر في نيويورك وواشنطن وما تبعها من هستيريا عملت على اثارتها الأجهزة الأمنية الأميركية تحت ضغوط المنظمات اليهودية الصهيونية، تفرز الهستيريا في الدور الاكاديمية عكس ما اريد لها. بعد سبعة أشهر من أحداث سبتمبر 2001 قال توم باولين، احد اساتذة جامعة اوكسفورد البريطانية لصحيفة «الاهرام» المصرية انه يعتقد ان من المشروع اطلاق النار على اليهود المستوطنين في الاراضي الفلسطينية. وبعد فترة وجيزة تلقى البروفيسور باولين دعوة من جامعة هارفارد ـ اعظم الجامعات الأميركية على الاطلاق ـ لإلقاء محاضرة، ولكن بعد موجة احتجاج طلابية شارك فيها عدد من الاساتذة بتحريض من المنظمات الصهيونية الأميركية سحبت إدارة الجامعة الدعوة، ولكن الدعوة جددت لاحقاً.. وقبلها البروفيسور وألقى المحاضرة. لماذا؟ لما كان موضوع المحاضرة ذا صلة باختصاص كلية العلاقات الدولية في الجامعة فان اساتذة هذه الكلية عقدوا اجتماعاً خاصاً عندما سحبت إدارة الجامعة الدعوة. وبأغلبية الاصوات فاز اقتراح اعادة توجيه الدعوة. وهكذا كانت النتيجة هزيمة قوية للمنظمات الصهيونية. لكن بالطبع سوف يبقى الصراع محتدما في المحيط الاكاديمي. وهو صراع جدير بالمتابعة عربياً وإسلامياً مع تنامي ظاهرة التأييد للعرب والمسلمين بين طلاب الجامعات داخل الولايات المتحدة نفسها. ومن أبرز مظاهر هذا التحول المثير ان مجموعة طلاب اميركيين من عدة جامعات يساندهم اساتذة، نظموا حملة تدعو إلى مقاطعة اسرائيل استثماريا. ودعوة المقاطعة موجهة ليس ضد الشركات الاسرائيلية فحسب، بل أيضاً ضد الشركات الأميركية التي لديها فروع في إسرائيل أو لها مشروعات مشتركة مع شركات اسرائيلية. وفي هذا السياق حازت عريضة مقاطعة في كل من جامعة هارفارد ومعهد ماساشوتس التكنولوجي على آلاف من التوقيعات. وبطبيعة الحال فان هذه المجموعات الطلابية باتت هدفاً لاتهامات «معاداة السامية» من مجموعات اخرى. وهذا بدوره ادى إلى اثارة مجادلات في الندوات الطلابية بل وحتى داخل الفصول الدراسية. ومحور الجدل هو: ماهو الخط الفاصل بين انتقاد إسرائيل كدولة ومهاجمة اليهود كعرق أو دين؟ وفي هذا الصدد يقول قادة حملة المقاطعة الاستثمارية ضد إسرائيل ان هدفهم هو العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل.. ويحاججون بأن الولايات المتحدة تقوم عملياً بتمويل الاحتلال الاسرائيلي ومشاريع الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية، وللتأكيد على حجتهم فإنهم يستشهدون بحالة «جنوب افريقيا» العنصرية وكيف انها ووجهت بمقاطعة عالمية. ومع تصاعد الصراع الاكاديمي داخل الجامعات الأميركية بين مؤيدين ومعارضين لإسرائيل، اتخذت الظاهرة شكلا جديدا بانتقالها الى عالم الانترنت. وتروي الصحافة الغربية قصة عن موقع انشأته مجموعة طلابية تدافع عن إسرائيل باسم «المنبر الجامعي». تقول القصة ان الموقع نشر اسماء ثمانية اساتذة جامعيين وجه اليهم اتهام بأنهم يتعمدون المبالغة في الحديث عن «اخطاء اسرائيل»، وعلى الفور بعث نحو مئة استاذ آخرين برسائل إلى الموقع طالبين ضم اسمائهم إلى القائمة كبادرة تضامن مع زملائهم الثمانية. وأحسب ان المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة تتابع هذه الظاهرة الاكاديمية الأميركية بغير قليل من القلق. وأحسب أيضاً ان هناك توجسا يهودياً من انتقال الظاهرة إلى الشارع الأميركي. فعندما اشتعلت ثورة الشارع في المدن الأميركية الكبرى عند اواخر ستينيات القرن الماضي ضد التورط الأميركي في فيتنام، فان مقدمات تلك الثورة بدأت في الجامعات، ومما لاشك فيه ان تفجيرات سبتمبر، بقدر ما نشرت من رعب فإنها مع تلاشي الغبار والهستيريا المرافقة أفرزت أيضاً سؤالا خطيراً: إلى متى يضحي الشعب الأميركي بأمنه وقسم من مصالحه الخارجية من اجل إسرائيل والأقلية اليهودية؟ ويبدو ان السؤال اخذ يطرح في الجامعات.