الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 السعودية تدرك أنها لن تكون بمنأى عن مخاطر تداعيات الهجوم العسكري الاميركي المبيت ضد العراق، ولهذا اعلنت بوضوح وصرامة عبر صياغات سياسية واعلامية رفضها التام والمطلق لاي نوع من المشاركة بشكل سافر أو مستتر في هذه الحرب، ولا السماح للقوات الاميركية باستخدام قواعدها العسكرية في السعودية بالتالي حتى في حالة صدور قرار دولي يجيز العدوان على العراق. فمن جهة هناك صعوبة في تبرير المشاركة بشكل ما في ضرب العراق، سواء من المنظور الديني أو القومي، ثم أن صلات الجوار بين البلدين تعني بالضرورة فتح الحدود على مصراعيها لاستقبال وإيواء النازحين والفارين من ويلات القصف الاميركي الذي سوف يطول المدنيين العراقيين حتما، في الوقت الذي تتواتر الأخبار التي تؤكد أن ضرب العراق إنما الوجبة الأولى في المخطط الاميركي الشره للعدوان على السعودية وسوريا ولبنان ومصر واليمن وتغيير نظمها الحاكمة! على أن أبرز المفارقات المحيرة لتوجهات السياسة الخارجية الاميركية في عهد الرئيس بوش إزاء الهيمنة على مقدرات العالم، تكمن في ضرب الحائط بالعلاقات الاستراتيجية الحميمة مع السعودية، رغم صمودها للأنواء والعواصف منذ تأسيسها في عهدي الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت، وكم والوان الفوائد المادية والسياسية التي جنتها أميركا من ورائها، وبينها على سبيل المثال لا الحصر أرباحها الطائلة من عائدات الثروة البترولية السعودية، ومساندة الرياض لواشنطن خلال المواجهة مع الاتحاد السوفييتي السابق وحلفائه في منطقة الشرق الأوسط، بل إن السعودية لم تبخل بزهرة شبابها وبمليارات الدولارات إبان الحرب في أفغانستان، بل وخلعت على هذه الحرب القداسة باعتبارها جهاد في سبيل الله، فلما توج بزوال النظام الشيوعي في كابول وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفكيك المنظومة الاشتراكية إذا بالولايات المتحدة تنكر لكل هذه التضحيات، في اول اختبار حقيقي، وإذا بالادارة الاميركية تزعم ان السعودية التي ترعى الارهاب أو تتقاعس عن الانخراط في الحرب التي أعلنها الرئيس بوش ضد الارهاب، وزاد الطين بلة حين اتهمت الادارة الاميركية برامج الدراسة الدينية في السعودية بتفريخ المتطرفين، والى حد المطالبة باتخاذ اجراءات قسرية لاستبعاد عدد من الذين يشغلون مناصب الدعوة والافتاء، وفصم العلاقة بين الحكم والشعب ومرجعياته، وكذا حل جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اعتبرها الأمير نايف بن عبدالعزيز في حديثه لصحيفة السياسة الكويتية مؤخرا، مجرد جهاز تابع للدولة يأتمر بتعليماتها وليست هيئة أهلية مستقلة! وعلى الرغم من الجهود السياسية والدبلوماسية والاعلامية الضخمة التي بذلتها السعودية لتوضيح الحقيقة والتأكيد على دورها في محاربة الارهاب، الا ان جهود اللوبي الصهيوني في أميركا المتحالف مع غلاة اليمين المسيحي بالكونجرس، نجحت الى حد كبير في إشاعة أجواء الكراهية السافرة للسعودية، والتلويح باحتمالات الاستغناء بنفط العراق وبحر قزوين وإفريقيا عن نفط السعودية التي تستورد منها 16 مليون برميل يوميا، رغم أن الناقلات السعودية ظلت تحمل لأميركا يوميا 500 ألف برميل إضافية لمدة اسبوعين تعبيرا عن تضامنها مع محنتها، فيما كان لزيادة الانتاج السعودي بناء على طلب أميركا الى تسعة ملايين برميل إنعكاساته إزاء خفض أسعاره الى 20 دولار للبرميل. وعلينا إذن أن نضع في سياق التحليل تصريح وزير الداخلية السعودي الذي أعلن فيه بوضوح رفض بلاده للإملاءات الاميركية وتدخلها في شئون بلاده، ولم يمض سوى يومين فقط حتى أدركت الادارة الاميركية أن عليها ترطيب الأجواء والتراجع عن سياسة الترهيب والترغيب مع السعودية، وإلا كانت علاقات البلدين الى فراق، وهو ما يفسر التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية كولن باول خارج أميركا، ونفى فيه أن تكون السعودية غير ملتزمة بمكافحة الارهاب وليس هناك ما يدعو إذن لإفساد العلاقات بين البلدين، كون السعودية صديقا وفيا وشريكا إستراتيجيا. لكنه غض الطرف عن مطالب أميركا العاجلة من السعودية، والخاصة بملاحقة بعض مواطنيها بزعم تمويلهم أنشطة دينية أو إغاثية يشتبه في علاقتها بالارهاب، مع التهديد بأنه ان لم يتحقق ذلك خلال 90 يوما فان الولايات المتحدة واجهزتها سوف تقوم بالمهمة بنفسها، هذا الى جانب المطالب السابقة والمعروفة حول ضرورة تقديم المساعدات اللوجيستية والمالية للحرب الوشيكة ضد العراق.. وعلينا إذن أن نتوقع ما هو أسوأ في العلاقة بين الرياض وواشنطن! ـ كاتب مصري