الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 هل الولايات المتحدة الأميركية أمبراطورية في مرحلة التطور وتأكيد الذات، أم هي أمبراطورية في مرحلة التدهور على طريق الأنهيار الكامل؟!. هذا السؤال طرحه الباحث في جامعة ييل الأميركية، ايمانويل فاليرشتاين، في عدد يوليو ـ (اغسطس) من مجلة فورين بوليسي للسياسات الكونية التي يصدرها معهد كارنيجي للأبحاث، وأجاب عليه بالقول إنها أمبراطورية تنهار، وبأن صقور الادارة الحالية في واشنطن انما يدفعون بها الى السقوط المريع بدلا من أن يدعوها تنهار تدريجيا وبأقل الخسائر الممكنة. لكن السؤال يطرح بدوره سؤالا آخر، لم يلمسه فاليرشتاين الا لماما وبسرعة، هو: لماذا تعتبر الولايات المتحدة، الدولة العظمى الوحيدة في العالم الآن، نفسها امبراطوية كونية وتتصرف على مساحة الكرة الأرضية على هذا الأساس، فيما لا يعترف أصدقاؤها، ولا حتى أعداؤها، الا بقوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية في الوقت الذي يطرحون فيه علامات استفهام كبيرة حول طريقتها في ممارسة هذه القوة.. محليا، في الداخل الأميركي، حيث فضائح المؤسسات المالية لا تستثني أحدا وتصور النظام الأميركي كما لو أنه في الفساد قريب من أنظمة العالم الثالث، ودوليا حيث سياسة الكيل بأكثر من مكيال و الصيف والشتاء على سطح واحد هي المفهوم شبه الوحيد لامتلاك قوة العضلات في تعامل هذه الدولة مع الآخرين أيا كانوا، ومهما كانت قواهم. والواقع أن هذا السؤال هو صلب الموضوع. انه القضية ـ الأساس، أيا كان الرأي في هذه الأمبراطورية كحقيقة واقعة أو في كونها مجرد حلم في أذهان من يحلمون بها. العجز الأميركي ينطلق فاليرشتاين من نظرية أن الولايات المتحدة الأميركية هي أمبراطورية بالمعنى الكامل للكلمة ومنذ أكثر من مائة عام من الآن، أي تحديدا منذ الحرب العالمية الأولى التي يعتبرها معركة أولى لم تنته الا بانتهاء الحرب العالمية الثانية، وأن انهيار هذه الامبراطورية بدأ يتجسد عمليا بعد فشلها في الحروب الثلاث الكبيرة التي خاضتها (تعرضت لهزيمة كاملة في فييتنام، وتعادلت في الحرب الكورية، ثم في حرب الخليج الثانية)، وأن ما يحدث في هذه المرحلة هو أن الصقور المسيطرين على الادارة الأميركية يدفعون بالامبراطورية الأميركية الى السقوط السريع مع أن شعارهم هو العمل على الحيلولة دون مواصلة، وتاليا اكتمال، التدهور فالانهيار. لكن فاليرشتاين يقر بأن الرموز الأربعة التي جعلت من هذه الدولة أمبراطورية في طور الإنهيار (الحرب في فييتنام، ثورات العالم الطلابية والعمالية العام 1968، سقوط جدار برلين العام 1989، وعملية الحادي عشر من سبتمبر العام 2001) كشفت واقع الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها قوة عظمى وحيدة في العالم لكنها تفتقر الى القوة الحقيقية. وقائدة للعالم الا أن أحدا لا يتبعها ولا يحترمها الا القليلون. وأمة تنزلق بشكل خطير وسط فوضى كونية لا قدرة لديها على السيطرة عليها. بل وأكثر، فهو يقر بأنه في خلال الفترة بين حرب الخليج العام 1991 وسبتمبر العام 2001، أثبتت الولايات المتحدة عجزها ـ ليس لنقص في الارادة او في الجهد، بل لنقص في القوة الحقيقية ـ عن ممارسة الدور الذي تفترضه مقولة الامبراطورية، أو عن اقامة الباكس اميركانا (السلام الأميركي) في أي من منطقة البلقان أو خاصة وبالذات في منطقة الشرق الأوسط. وفي المعارك الأميركية الحالية، يعبر الصقور في الأدارة عن مواقفهم في ثلاثة مواقع كما يأتي: هجوم حربي متواصل في أفغانستان، حيث أمكن اسقاط حكومة طالبان لكن من دون القدرة على احداث تفكيك كامل لتنظيم القاعدة او القبض على قياداته العليا، ودعم عملي غير مسبوق لخطة اسرائيل بتصفية السلطة الفلسطينية، حيث تحقق تدمير مريع في فلسطين، وتحضير جاد على الأرض لغزو العراق عسكريا لكن وسط معارضة متنامية من الحلفاء في أوروبا وفي الشرق الاوسط (فيما عدا اسرائيل طبعا) لهذا الغزو. لكن هل الولايات المتحدة امبراطورية كونية فعلا، أو كما يصفها بعض المعلقين الأميركيين روما القرن الحادي والعشرين، أم أنها مجرد دولة عظمى وحيدة في العالم الى اشعار آخر ؟!. لا يشك أحد في العالم في منظومة القوى الهائلة التي تنعم بها هذه الدولة، اقتصاديا وعسكريا وعلميا وتكنولوجيا وحتى اعلاميا، في هذه المرحلة التاريخية من عمر البشرية. كما لا يشك أحد، خصوصا في ظل ادارة جورج دبليو بوش الحالية، في أن منظومة أفكار وايديولوجيات ومصالح متكاملة تتجمع أميركيا حول نظرية أن الفرصة باتت متاحة بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط القطب الآخر، الاتحاد السوفييتي، لفرض سيطرة هذه الدولة الكاملة الشاملة على الكرة الأرضية ـ التي أصبحت أقرب ما تكون الى قرية كونية ـ لأن مثل هذه الفرصة توشك أن تمر وقد لا تتكرر في المستقبل. هذه النظرية بالذات هي التي أشار اليها جورج بوش الأب عندما تحدث عقب سقوط رمز الحرب الباردة، جدار برلين، وانتهاء حرب الخليج الثانية في مطلع التسعينيات أن شغل الولايات المتحدة الشاغل سيكون العمل على اقامة النظام الدولي الجديد خلفا لنظام القطبين الذي نظم العلاقات الدولية في العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وعمليا فلأجل هذه النظرية، ولغاية تحويلها الى أمر واقع، وضعت استراتيجيات أميركية ـ وحتى أوروبية! - بعيدة المدى بهدف تطويق أية احتمالات يمكن فيها لروسيا في أي يوم أن تعيد لملمة أشلائها لتبرز كقطب آخر مجددا على الساحة الدولية. وهكذا تم ربط روسيا بشبكة من القروض والديون والاستثمارات والاتفاقات حولتها الى رهينة في ايدي العالم الغربي لسنوات عديدة، بل لعقود، فضلا عن تكسير أجنحتها وحتى نزع هذه الأجنحة نهائيا عن طريق توسيع حلف شمالي الأطلسي شرقا وشمالا ليضم دولا كانت الى زمن قصير جزءا لا يتجزأ من منظومة روسيا السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية. «الشريف المنتظر!» لكنهما معا، القوة العسكرية والتكنولوجية الهائلة وغرور الولايات المتحدة بامتلاك هذه القوة من دون غيرها من دول العالم، هما اللذان يغشيان أبصار الصقور المقيمين في البيت الأبيض وفي البنتاغون حاليا فيتصرفون كما لو أن الامبراطورية الأميركية أمر واقع على الأرض، وأنه ليس على الآخرين الا القبول بها والرضوخ لأوامرها أيا كانت هذه الأوامر. لن ندع أية دولة في العالم تصل الى مستوى تتوازى فيه قوتها مع القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، هذا ما قاله جورج دبليو بوش في أكثر من مناسبة منذ الحادي عشر من سبتمبر، وضمنه في وقت لاحق خطته المعنونة بـ «الاستراتيجية القومية للولايات المتحدة». وهو التجسيد السياسي لما فاجأ به العالم عندما وضعه بين خيار أن يكون معنا، أو لا يكون فيصبح اذا ضدنا. ولا ينكر فاليرشتاين هذه الحقيقة، برغم مقولته عن الامبراطورية التي تنهار، اذ هو يعترف بأن موقف الصقور في الادارة الأميركية أكثر من واضح: فهم يرون أن الولايات المتحدة تملك قوة عسكرية ساحقة، ومع أن قادة أجانب عديدين يعتقدون أن من اللامعقول أن تستخدم واشنطن عضلاتها العسكرية فهؤلاء القادة أنفسهم لن يكونوا قادرين ولا حتى هم يريدون ان يفعلوا شيئا لو أن الولايات المتحدة عمدت لفرض ارادتها على الآخرين. وهم (أي الصقور) يرون أن الولايات المتحدة ينبغي ان تتصرف كدولة امبراطورية لسببين اثنين: أولهما لأن في قدرة الولايات المتحدة ان تفعل ذلك وأن تنجو به، وثانيهما لأنها اذا لم تفرض قوتها فأنها ستتحول بصورة متزايدة الى دولة هامشية. ومع أن القوة العسكرية تبقى الورقة الأقوى في اليد الأميركية، بل الورقة الوحيدة كما يقول فاليريشتاين، الا أن قوة السلاح لا تكفي وحدها لانشاء امبراطورية، فضلا عن أن تكون أمبراطورية على مدى الكون كله كما يحلم صقور الأدارة الحاليون. ولا هي قوة السلاح الناري، مهما عظمت وازدادت، تضمن النصر النهائي في الحروب. أفغانستان تعلن عن نفسها كدليل أخير في هذا الصدد، فلم تنته الحرب فيها ولا توقف اطلاق النار برغم مرور عام على بدئها وبرغم استخدام احدث ما توصلت اليه التكنولوجيا العسكرية الأميركية فيها. تماما كما كانت الحروب الأميركية الثلاث السابقة في فيتنام وكوريا والخليج، وفق فاليرشتاين، وتماما أيضا كما هي الحرب الشاملة ومن بيت الى بيت التي تشنها اسرائيل بسلاحها المتطور، وبالسلاح الأميركي المتطور ايضا، ضد الشعب الفلسطيني على مدى عامين كاملين حتى الآن. قصة أدولف هتلر في العصر الحديث معروفة، وهي وان كانت قد طويت بالأسلوب نفسه، أي باستخدام السلاح الذي لجأ هو اليه، فينبغي اعتبارها درسا في أن الامبراطوريات لا تقام بقوة السلاح.. خاصة اذا كانت قوة السلاح هذه هي الطاقة الكامنة الوحيدة، وتاليا الأداة الوحيدة لفرض الارادة على الآخرين. وفي المرحلة الحالية من القرن الحادي والعشرين، سيكون من السخف توقع بناء أمبراطورية أميركية كونية على قاعدة رفض الدخول في محكمة الجزاء الدولية التي انشئت في اطار الأمم المتحدة لمجرد أنها قد تطال أحدا من المسئولين الأميركيين، أو على قاعدة تمزيق معاهدة دولية مثل بروتوكول كيوتو للحد من ارتفاع حرارة الأرض لأنها تفرض قيودا على بعض الصناعات الأميركية، أو على قاعدة غزو بلد لتغيير نظام الحكم فيه وتجريده من سلاحه لأنه ارتكب خطيئة ـ هي فعلا مميتة ـ مع بلد آخر الا انه أقر بها وأعلن تراجعه عنها، أو أخيرا على قاعدة اعلان مجرم حرب محكوم في بلده، مثل ارييل شارون، رجل سلام ومنحه دعما كاملا في جرائم جديدة يقوم بها يوميا وعلنا وبصراحة متناهية. سواء كانت الولايات المتحدة امبراطورية قائمة فعلا وهي في طور الأنهيار حاليا، كما يقول الباحث الأميركي ايمانويل فاليرشتاين، أو كانت مجرد حلم يراه صقور البيت الأبيض والبنتاغون الآن في منامهم ويسعون لتحقيقه بقوة السلاح، فالأمر في النهاية سيان. ذلك أن القرية الكونية انما تحتاج الى شريف، ولكن بالمعنى الأخلاقي للكلمة، وليس بمعنى الكاوبوي الذي ما زال سائدا في امبراطورية الكون الأميركية. ـ كاتب لبناني