الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 كان البعض يتداول نكتة في السبعينيات خاصة بالطلاب العرب من الخليج، تقول إذا أردت أن تنشئ شخصا معادياً للشيوعية ارسله للدراسة في موسكو، وان أردت أن تنشئ شخصا معادياً للرأسمالية ارسله الى الولايات المتحدة. وِليس بالضرورة أن تكون تلك المقولة النكتة صحيحة، ولكنها تعبر عن «المشكلة» التي كانت المجتمعات الخليجية على وجه الخصوص تواجهها، فلم تعد العواصم العربية في ذلك الوقت آمنة من الادلجة السياسية للطلاب، وكانت هذه المجتمعات تحتاج الى كوادر مدربة لا تستطيع الجامعات العربية أن تستوعبها، فلم يعد أمامها إلا أن ترسل طلابها الى احد المكانين، أميركا أو بعضها، الاتحاد السوفييتي أو أوروبا. لقد تصور البعض أن تأهيل الجيل الجديد و إرسال الطلاب لتلقي العلم في الولايات المتحدة يؤهلهم على أعلى مستوى للاشتراك في التنمية، لذا فقد تم تشجيع أغلب الطلبة للدراسة هناك، وكانت الخطة وقتها تطمح أن يكون هؤلاء الطلاب جزءاً من حل المشكلة التنموية في بلادهم فأصبح كثير منهم جزءاً من المشكلة نفسها، أما بتحولهم للإرهاب أو مناصرة أفكاره و الدعوة لها. لقد تدفق على الولايات المتحدة عدد وافر من الطلاب الخليجيين، من اجل التخصص في عدد من المساقات العالمية، خاصة في الثمانينيات من القرن الماضي، ولكن هذه الثمانينيات كانت في نفس الوقت تشهد صراعا أيديولوجيا بين الغرب الرأسمالي و الشرق الشيوعي، ومن هنا وجدت الحركة السياسية الدينية الإسلامية لها مكانا للدعوة و التجنيد مرحبا به من قبل السلطات الاميركية، التي كان جزءاً من إستراتجيتها حربها ضد «الملحدين» إلى هنا و الأمر يبدو طبيعيا، إلا أن أكثر المجندين كانوا من أبناء الخليج. اصطياد الضحية الضحية الحقيقية كانوا طلابنا الصغار في السن و التجربة والخلفية التعليمية، فقد بدا أن هؤلاء الطلاب تحتضنهم عندما يصلون إلى الولايات المتحدة «مؤسسات الإسلام السياسي» فيصل الطالب إلى أية مدينة في الولايات المتحدة ليستقبل في المطار من «الإخوة» لينضم بعد ذلك إلى هذه المجموعات بإرادة واعية أو بسبب قوانين الاجتماع الإنساني تحت الترهيب و الترغيب ، وتقوم هي بتدبير معيشته وسكنه وحتى دراسته، ويتدرج الطلاب في دراستهم دون أن يحتكوا حقيقة بالمجتمع الجديد، وهم في ريعان الصبا، يحتاجون إلى قيادة وتوجيه، وقد تُرك هذا التوجيه إلى زعماء «الإسلام السياسي»، وكان المقر والمنطلق هو بالطبع أماكن العبادة. لقد اشتكى كثير من العاملين في التعليم في الخليج من ظاهرة المتعلمين بالشهادات والفارغة عقولهم من أي علم، خريجو بعض المعاهد الدراسية الغربية، وخاصة الاميركية، فهؤلاء عندما يسقطون في «شبكة» تسهل لهم المسكن والمأوى والرفقة والتثقيف الخاص بها، كما توفر لهم اطروحاتهم العلمية، وأوراقهم الفصلية المطلوبة كجزء من تأهيلهم العلمي، وفي بلاد مثل الولايات المتحدة يمكن شراء كل شيء فيها، حيث أن هذه الأوراق العلمية متوفرة أما على شبكة الانترنت أو في غيرها من المصادر، ويسهل للطالب الادعاء بالمعرفة من جهة ومن جهة أخرى يفرغه ذلك للدعوة. و لم تتابع المؤسسات التعليمية الاميركية هذا الأمر لأنه لا يعنيها، فالطالب الاميركي عندما يهمل أو يغش في عمله العلمي، سوف يخرج إلى مجتمع لا يعترف بالورقة التي بين يديه أكثر مما يعترف بقدرته على الإنجاز، فهو مجتمع تنافسي، البقاء فيه للأفضل، أو قل البقاء في الوظيفة أو العمل لمن هو قادر على الإنجاز، في الوقت الذي تعتبر فيه «الورقة، الشهادة» في مجتمعاتنا هي الممر للوظيفة، بصرف النظر عن قدرة حاملها على الإنجاز أو تأهله الشخصي. ويتكرر هذا الأمر على كل المستويات التعليمية، بما فيها شهادات الدكتوراه التي يتحصل عليها دون جهد علمي يذكر، يأتي المتخرجون بهذه الطرق وهم غير قادرين لا على الإنجاز العلمي ولا الوظيفي، وبعضهم يتحول الى دعاة ومن أوتي منهم من الذكاء يتحول في تلفزيوناتنا الى دعاة محدثين يخلطون بين أفكار الكتب «السيارة» في الاجتماع و التسويق و التحليل النفسي التي تباع بالملايين للعامة في الولايات المتحدة مع بعض من تراثنا القديم، فترى بعضهم يحملق ويحوقل ويتفوه ببعض العبارات العامة، ويصبح داعية حديث، وهو كل ما تعلمه في سني دراسته التي صرف فيها حياته الاجتماعية بين «الأكل» و«التجمع» لسماع النصائح، و هو محتضن في يد تلك الجماعات، دون أن يمر بما يمر به طالب العلم عادة من معاناة في البحث،بل أصبح الوجود في أميركا في وقت ما الطريق الأسهل إلى أفغانستان ،من اجل «الجهاد» الذي يتشوق اليه شباب في مثل تلك السن والخبرة. سوء استخدام بعض الدارسين من هؤلاء يتخرجون وهم يحملون ورقا فقط، دون علم أو معرفة و لا حتى باللغة التي يتحدثها ذلك المجتمع الذي عاشوا فيه، لأنهم كانوا محميين من الاختلاط بذلك المجتمع في البيئات الحاضنة لهم، فيخسرون الدارين، فلا هم ساهموا في التنمية في بلدانهم التي ابتعثوا من اجل المساهمة فيها، ولا هم خدموا أنفسهم بالإطلاع على ما يحمله العالم من أفكار. لذا فليس غريبا أن نجد أن هذه الفئة بالذات التي أسيء استخدام غرض ابتعاثها إلى درجة سيئة هي الهدف الآن للمتابعة و التقصي من الأجهزة في الولايات المتحدة بعد أن تصادمت المصالح، فلم تكن المؤسسات الاميركية ترى من واجبها أن تفحص مؤسسات التعليم فيها، لأنها مؤسسات تجارية في الغالب، ولأنها غير معنية بهذا الأمر، فولي الأمر هو الذي يقرر أي مؤسسة تعليمية هي المناسبة لابنه أو ابنته، و هو الذي يقوم بالمتابعة، كما أن المجتمع يقوم لاحقا بالتصفية و الانتقاء لفعالية قانون العرض و الطلب في بلادهم، أما طلابنا فكان يكفي أن يدخل على أهله بقصاصات ورق اسمها الشهادة حتى تنتفخ أوداج الأب المسكين ولا يعرف كم من الجهالة يحملها ابنه، ولان الدولة تعتني بقصاصة الورق تلك بجانب عنايتها بالمنبت الاجتماعي، فيجد المحروس وظيفة تكفيه طول العمر. بعض حاملي الشهادات العليا ليسوا باستثناء فكثير منهم مروا بطريق شراء الموضوعات لاطروحاتهم «المعروضة للبيع» من خلال تلك البيئات الحاضنة، وحولهم عدم التنافس بعد ذلك من الثقة الى الغرور، فأصبحوا غير نافعين لأنفسهم ولا لمجتمعهم. ضرر ايجابي! الضرر السلبي يمكن تحمله، أما إذا تحول ذلك الضرر إلى الإيجابي، كأن تتحول هذه التجمعات الى أماكن لتفريخ الإرهاب، فهو الضرر بعينه، لان الولايات المتحدة اليوم تحولت من كونها الملجأ المرحب بطلابنا الى مكان طارد، جمع في هذا الطرد الجاد وغير الجاد. فبسبب قانون أمن الحدود الجديد الذي أيده مجلس الشيوخ الاميركي بأغلبية ساحقة «97 صوتاً من دون أي صوت معارض» لا يحصل الطلبة العرب والخليجيون على تأشيرة الدخول من جديد للولايات المتحدة لإكمال الفترة المتبقية من دراساتهم، والطلبة القادمون من 7 بلدان مدرجة على لائحة هذا القانون يخضعون إلى تمحيص وتدقيق استثنائي، وقد ترفض طلباتهم، أما من هم موجودون ـ قبلاً ـ فان خوفهم من عدم تجديد عودتهم يجعلهم يبقون في الولايات المتحدة ولا يعودون تحت أي ظرف بما فيه وفاة احد عائليهم، في بلاد تحتضن حوالي نصف مليون طالب من العالم الثالث، بينهم بضعة مئات الآلاف من العرب، تصبح المشكلة عامة وجوهرية.أما برنامج «تبز» «خدمة معلومات منع الإرهاب» الذي دخل إلى العمل في سبتمبر الماضي، فهو برنامج يدعو الاميركيين الى إبلاغ الشرطة المحلية عن أية شبهات «إرهابية» يتحسسونها!، ومواصفات هؤلاء الإرهابيين في الغالب أربعة: عرب، مسلمون، طلبة وخليجيون في الغالب. أمام هذه المشكلة التي لم يلتفت اليها أهل الحكم بعد، والتي تطرح من جديد قضية التعليم في مجتمعاتنا و مستقبل الأجيال الجديدة ، يتلهى بعضنا بلعن الآخرين دون أن نلزم قدرنا من المسئولية. ـ كاتب كويتي