الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 سؤال توجهت به الى احدى الطالبات اللواتي جمعتني بهن ورشة عمل تتناول موضوع «الشخصية المستقلة العوامل والصفات». وقد جاء جوابها مؤكداً ان لدينا براعم واعدة ومهيأة فيما لو تم توظيف الملكات الفطرية التي يمتلكنها في الاتجاه الصحيح لأداء ادوار ايجابية تساهم في تقديم نماذج عملية قادرة على الاضافة الى المجتمع، وافادته في شتى المجالات والحقول. ومن حق تلك الطالبة التي جمعني بها برنامج تدريبي ان ادين لها بالشكر الجزيل على حيويتها اللافتة، ومشاركتها الفعالة، وعلى سرعة بديهتها، وثقتها الشديدة بمعلوماتها التي بدت اكبر من سن طالبة في المرحلة الثانوية والتي اكدت وجود مستويات متباينة في استعدادات الطالبات للنمو والتطور. ولقد جاء سؤالي على النحو التالي: ماذا نسمي الشخص المجامل الذي لا يرفع رأسه بقول كلمة لا واحدة امام محدثيه، ذلك الذي يصيح مشجعاً في كل مجلس، والذي يساير من حوله في كل وقت وموقف، الذي رضى من الحياة ان يكون فيها تابعاً لسواه؟ قالت: هو الإمعة، الذي لا رأي له ولا موقف!! فسألتها: ولكنه قد يلاقي بعض القبول!! الا ترينه يجيد المجاملة، كثير المدح، سخي في ابداء عاطفته التي تدعم مواقف الآخرين بغض النظر عن طبيعة تلك المواقف ان كانت تستحق التأييد او الرفض؟! الا تكفي بنظرك هذه الصفات لترشحه للنجاح في تكوين علاقات اجتماعية قوية ودائمة؟! فأجابت مسرعة: لا.. هو لا يمتلك أياً من المقومات التي تجعله مقبولا لدى الناس، ناهيك عن ان يكون شخصية مريحة ومرغوبة!! سألتها: وكيف؟ وبكل ثقة اجابتني قائلة: قد ينجح في كسب القلوب بعض الوقت. قد ينجح في التمويه على حقيقة ضعفه الداخلي بعض الوقت. ولكنه لن ينجح في كسب محبة الناس واقتناعهم به طول الوقت!! ثم ان نجاحه المحدود هذا انما هو «نجاح مؤقت» وليس «نجاحاً دائماً». والنجاح المؤقت هو الذي يبنى على الوهم والخداع بينما النجاح الدائم لا يدركه الا من يحققون لانفسهم قبولا لدى الآخرين، من خلال مواقفهم الايجابية التي تدعم الصواب، وتمتنع عن قبول الخطأ. لقد شعرت بسعادة غامرة، وانا أرى فتاة في عمر الزهور تقدم هذا التحليل العميق لشخصية الفرد الإمعة الذي يبني علاقاته مع الناس وفقا لقاعدة صنعها لنفسه، ورآها ستريحه من وجع الرأس، وستجنبه النقد، والمحاكمة الجماعية التي قد يفرضها عليه الزملاء والاقران، فيما لو اظهر مخالفة لما يقولون، واراد ان يستقل برأيه في امر من الامور، ولان ما بني على الخطأ فمآله الى الفشل، فقد برعت الطالبة في تحديد وصف عميق لنهاية مثل هذه العلاقة السطحية الباردة التي لا جذور لها، ولا انتماء لديها الى مصدر يحفظها من الانزلاق وراء الفكر الرديء، والرأي الدخيل!! كما ان «النجاح المؤقت» ليس قاصراً فقط على علاقة الصداقة التي تستظل بالمداهنة، وغض الطرف عن اخطاء الاطراف الاخرى. انما «النجاح المؤقت» هو نهاية محتومة لمختلف اشكال العلاقات الانسانية القائمة على نوع من انواع التسخير والخدمة، اكثر من كونها علاقة شراكة يتبادل من خلالها اطراف تلك العلاقة مسئولية الارتقاء بتلك الرابطة وضمان تواصلها واستمرارها، ومضاعفة انجازاتها على المدى الطويل. فالزوج المستبد برأيه، الذي يرى نفسه الحاكم المطلق الذي لا يرد له رأي، ولا يعصى له امر، قد ينجح نجاحاً جزئيا مؤقتاً في تكميم فم الزوجة، وفي اخضاع الابناء لسياسته الداخلية الخشنة، لكنه حتما لن يستطيع ان ينعم بهذا «النجاح الجزئي» على المدى الطويل. ان الشيء الوحيد القادر على اطالة عمر اي علاقة انسانية هو الاحترام المبني على القدرة على التواصل الايجابي، والتعبير عن الرأي. كما ان العلاقة القائمة على قبول الآخر سواء كان هذا الآخر صديقاً او ابا او زوجا او زميلا في ميدان العمل هي العلاقة الوحيدة التي سوف تنمو وتزدهر ولن تزيدها الايام الا قوة وثباتا.