الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 «كيف تظل عاقلاً في مهنة تدفعك الى الجنون؟!» .. هذه العبارة ليست من اختراعي، فهي عنوان فرعي لآخر مؤلفات الكاتب الاميركي بول هيلمان المعنون «عارٍ في العمل ومخاوف اخرى». الكاتب الاميركي، ونظرا لان بلاده ليست محتلة وغير مشغول بقضايا التخلف والفقر والجوع، مشغول بحرفية الكتابة، وكيف تتبلور الفكرة من شيء مبهم في عقل الكاتب حتى تصير افكاراً مترابطة تشكل موضوعا يفهمه الناس ويعجبون به. لكن ما لفت نظري في جمال العبارة وطرافتها شيء مغاير تماما لما قصده بول هيلمان، وسألت نفسي: ترى كيف يظل اي صحفي عربي جاد في هذه الايام محتفظا بعقله سليما في مهنته التي تدعو الى الجنون كل لحظة؟! الصحفي العربي الجاد هذه الايام مطالب بأن ينقل لقراء صحيفته او وسيلته الاعلامية سواء كانت محطة فضائية او اذاعة او حتى صحيفة الكترونية كل اخبار العالم بموضوعية حتى يكونوا مطلعين على آخر الاخبار . هذا الامر في زمننا الراهن يدعو للجنون فعلا، حيث انني مطالب كصحفي بأن انقل للقراء تصريحات السفاح شارون بأنه جاء للفلسطينيين برسالة سلام، وانه يريد ان يختم حياته بالسلام!، وانه ايضا مهموم بالسلام لكن ما يمنعه عنه هو «الارهاب العربي والفلسطيني!». كما ان الصحفي العربي الجاد مطالب بأن ينقل لقرائه او مشاهديه خبر قيام الرئيس الاميركي جورج بوش بزيارة لاحدى الجمعيات الاسلامية في واشنطن او نيويورك متحدثا عن ايجابيات الدين الاسلامي، رغم ان مجمل سياسات ادارته تتمحور حول ضرب المسلمين في كل مكان من افغانستان والعراق الى اليمن وليبيا مرورا بفلسطين. الصحفي العربي ايضا خاصة العامل في مجال الشئون الاخبارية مطالب بنقل هموم الادارة الاميركية لتحديث العالم العربي والاسلامي وما يسمى بمحاربة الارهاب رغم ادراكه الكامل ان هذه الادارة وما سبقها هي احد الاسباب الرئيسية في تخلف العالم العربي في مجالات متعددة. ومنذ ايام كنت اهنيء صديقا في القاهرة بمناسبة العيد وكالعادة سألته عن اخباره، فرد قائلا انه مكتئب وحزين للغاية، ولما سألته عن السبب رد مستعجبا: ألا ترى وتشاهد ما يحدث للعرب في كل مكان من اذلال ومهانة؟! فقلت له: نعم لكن ما الجديد في ذلك، فهذا يحدث لنا منذ سنوات! استعجب صديقي من ردي واتهمني بأن جلدي صار سميكا ودرجة حساسيتي لم تعد كما كانت! وقد يكون الصديق محقا في اتهامه، لكن ما اخشاه على نفسي كان متعلقا بشيء مختلف، وهو انه ربما من كثرة التعرض للاخبار السيئة التي نقرأها او نكتبها في صحفنا صار الامر طبيعيا وعاديا، او بعبارة اخرى ان نكتب ان شارون ارتكب مجزرة في غزة ليلة العيد راح ضحيتها عشرة فلسطينيين مثلما نكتب عن حادثة سير في احد الشوارع العربية راح ضحيتها العدد نفسه!. لفترات طويلة في الماضي كنت احسد الزملاء الصحفيين العاملين في اقسام لا صلة لها بهموم سياستنا العربية، خاصة الزملاء في الاقسام الرياضية والفنية والمنوعات، لكن بعد فترة ادركت ان الصحفي الجاد سيطاله نفس الهم والحزن بغض النظر عن مجال عمله، فالصحفي الرياضي الجاد مهموم بتخلف منتخباتنا العربية في كافة المجالات، والصحفي الفني الحقيقي الذي لا يكتفي بسؤال احدى النجمات عن لون فستانها المفضل او وجبة فطورها المحببة، سيكون مهموما ايضا بانهيار صناعة الفن من سينما ومسرح الى بقية الفنون الاخرى، واننا كعرب صرنا اسرى مستعبدين للسينما الاميركية، واذا اضفنا لكل ذلك القيود المتنوعة المفروضة على الصحفيين والحبال الرقيقة المفترض ان يسيروا عليها دون ان تزل اقدامهم، وممارسة لعبة القط والفار مع كل انواع الرقابة خاصة الذاتية، لأدركنا كم هو مسكين كل من يحمل صفة صحفي عربي جاد! مرة اخرى كيف تبقى عاقلا في مهنة تدعو للجنون، السؤال صعب ومر كالعلقم، لكن الاجابة اذا كان السؤال موجها لعربي هي من قبيل الاستحالة! فالحل الوحيد هو ان تتغير حياتنا للافضل، وهو امر دونه الآن مصاعب كبيرة، لكنني واسهاما مني في تقديم حل جزئي اقترح ان تبادر المؤسسات الصحفية العربية باضافة بند جديد الى بنود بدلات المرتب للصحفيين العاملين فيها، فاذا كانت البدلات تشمل السكن والمواصلات والتكنولوجيا، فلماذا لا نضيف بدلا للهم والحزن وليكن اسمه «بدل الاكتئاب» .. ربما يغير ذلك من الامر شيئا لنحافظ على ما تبقى من الجزء الصغير في عقولنا؟! emadiraqi@yahoo.com