الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 يعرف صدام حسين على وجه اليقين بأن الولايات المتحدة جادة في توجيه ضربة عسكرية وشيكة ضد العراق وهو يتمنى من صميم قلبه ألا تحدث لأنه سيكون اول الخاسرين، ولهذا قبل قرارات الأمم المتحدة الاخيرة، وطأطأ رأسه لاشتراطات الولايات المتحدة وقبل راضياً بعودة المفتشين ودخولهم الى كل مكان في العراق بما في ذلك قصوره الرئاسية. ويعرف صدام حسين بأن لعبة القط والفأر التي ظل يلعبها مع الامم المتحدة تارة ومع الولايات المتحدة تارة اخرى وعلى امتداد 12 عاما منذ ارتكب (خطأه التاريخي) الذي اعتذر عنه امس الاول، هذه اللعبة وصلت الى حدودها القصوى وانتهت صلاحيتها بشكل تؤكده نبرة واشنطن المستفزة والتي تؤلب العالم ضد العراق، كما تؤكده حشودها العكسرية الى المنطقة بشكل لا يدع مجالا للشك بأن الحرب على العراق ليست سوى مسألة وقت. ولو ان صدام حسين كان لديه شك في حدوث الحرب لما قال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي فيما يشبه اليأس لاحدى محطات التلفزة الاميركية قائلا «ستكون معجزة اذا لم تقع الحرب». ولما خطب عامر السعدي المسئول عن ملف اسلحة العراق ود الولايات المتحدة في مؤتمر صحفي امس قائلا: «نتمنى ان ينال تقريرنا رضا الولايات المتحدة، فلقد قدمنا فيه كل ما لدينا ولم نخف شيئا على الاطلاق». تأتي هذه التصريحات اليائسة بعد ان بات يقينا لدى القيادة العراقية بأن الحلقات تضيق جدا حولها وان على ارض العراق واقعاً آخر سينجلي بعد مدة ليست طويلة، وهو واقع لا وجود فيه للنظام الحالي الذي صار منكشفا ومكشوفا بشكل اصبحت فيه كل المحاولات فاشلة ولا تقود الى نتيجة، وحتى خطاب الاعتذار جاء باهتا ومستفزا ومليئا بالتناقضات، هذا علاوة على انه جاء في الوقت الضائع تماما. لقد صار في حكم المؤكد امر توجيه الولايات المتحدة ضربة قاسية للعراق لا احد يتمناها او يريدها، لكن معادلات السياسة الاميركية في المنطقة لم تتقاطع يوما مع امنيات الشعوب واراداتها، وبقدر ما استفز خطاب صدام حسين الشعب الكويتي في الكثير من جوانبه التي طرحها، فان صدام لم يقدم على سلوك اعتذار متحضر لشعب انتهك حرمته الوطنية وحقوق الاخوة والجيرة التي تربطه به، بقدر ما حاول ان يقلب الحقائق ويقذف الكرة في ملعب الكويت في محاولة يائسة منه ان يلعب بآخر أوراقه قبل اجتياح «التتار» الجدد لبغداد، فلم يقلب الحقائق فقط لكنه قلب الطاولة على رأس نظامه، وأحرق آخر اوراقه، وقذف الآخرين بالحجارة بينما بيته من زجاج خالص!! وها هو نظام عربي آخر يسقط امام الانظار وبشكل مدوٍ، بعد ان اورد شعبه موارد الهلاك برغم عراقته وتاريخه وثرواته ومقدراته، لكنها غطرسة القوة التي لا يندم اصحابها ولا يعترفون بذنوبهم أبدا، مع ان ذنوبهم معلقة على بوابات المدن ومداخل العواصم ومطارات الدنيا، شعب كان ملء السمع والبصر شعرا وأدبا، حضارة وعلما، صار بفضل (اخطاء الماضي) وانتصارات الوهم ومعارك السراب موزعا بين جهات الدنيا الاربع، بعضهم يستجدي ملجأ، وبعضهم خبزا، وآخرون يبحثون عن وطن وكرامة، بينما وطنهم مباح مستباح للسائرين على الجماجم والجثث يبنون بها مجدهم وتاريخهم، وثرواتهم منتهكة للغرباء والاعداء والناعقين في أبواق الحرب صباح مساء، معذرة كويت، فليس العراق ولا العراقيون الشرفاء من صنع مأساة الثاني من اغسطس، ومعذرة عراق، فكلنا لك فداء ولأهلك الصابرين .. فما من عربي حر شريف له يد في مأساتك .. معذرة لكم جميعا وللتاريخ، فما لنا ذنب ولا يد، انه اثمهم وذنوبهم، اولئك المتلبسون بعار التاريخ حتى النخاع، معذرة لبعضنا بعضا حتى يتعلم القابضون على مصائرنا كيف يعتذرون وكيف ينصاعون للحق لأنه أحق بأن يتبع.