الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 تتعدد الألحان وتتباين النغمات التي تصافح سمع الإنسان المرهف الاحساس.. مع ذلك يظل من أمتع هذه الأنغام تلك الأصوات الغريبة المتداخلة ـ أصوات الملاغاة واللثغة التي نسمعها وقد تناهت من بين شفتي الطفل الرضيع ولما يبلغ من العمر عشرة أشهر قد تقل وقد تزيد. أهلنا في مصر يستخدمون لوصف هذا الموقف لفظة ذات دلالة واضحة هي التفسير.. وبهذا يقولون إن المحروس «يفسر» بمعنى أنه يبدأ في صياغة أصوات يمكن أن يكون لها معنى. ولأن الوليد في هذه المرحلة يشرع في اكتشاف الدنيا التي وفد اليها.. فقد قام علماء السلوكيات اللغوية وباحثو علم نفس النمو برصد منطقة الفم والشفتين حين يحركهما الوليد ـ باسم الله ما شاء الله ـ وهو يبدأ في عملية الملاغاة المذكورة أعلاه (والملاغاة بداهة هي أولى مراحل التلاغي بمعنى التواصل عن طريق اللغة). تقول الدكتورة لورا آن بتيتو وهي في طليعة الباحثين الميدانيين في هذا الميدان: ـ ان رأيت الطفل الرضيع يلثغ ويلاغي وينطق تلك الأصوات المتداخلة، وهو يحرك شفتيه من ناحية، يمين الفم، فاعلم أن هذه الأصوات ما هي إلا شكل من أشكال اللغة التي بدأ الطفل في استخدامها على سبيل الممارسة والتجريب. (وذلك باعتبار أن الجانب الأيسر من المخ هو المسئول ـ بعد إذنك ـ عن عنصر الاستخدام والرقابة اللغوية، عند الانسان). لأمر ما يلاحظ الباحثون أيضا أن من أوليات هذه الأصوات التي تطرأ لأول مرة على لسان الوليد عبارة مؤداها الصوتي ببساطة هو: دا.. دا.. دا. وربما يفيدنا العلماء بأن حرف الدال مشفوعا بحروف العلى أمره سهل ميسور بالنسبة لمحاولات النطق البدائية عند الأطفال.. خاصة وأن حكاية دا.. دا هذه تكاد تكون شائعة بين أطفال العالم كله. وربما يوغل في الأمر شعراء طوباويون ومفسرون رومانسيون يحسنون الظن كثيرا بجنس البشر حين يقولون: ـ إن المقطع دا يفيد في أصوله اللغوية القديمة معنى العطاء وكأن أول ما ينطقه الانسان هو أن يعطي حيث خلقه مولاه سبحانه مجبولا على هذا العطاء وما يفسد هذه الفطرة سوى العالم المادي.. الأناني.. الصراعي الذي لا يلبث أن ينشأ فيه الطفل حيث يسود المبدأ ـ بالأدق اللامبدأ ـ القائل: اذا لم تكن ذئبا.. أكلتك الذئاب! ولقد نرى أن حكاية، «دا» بمعنى العطاء حكاية صحيحة في علوم اللغة.. وخاصة بالنسبة للغة السنسكريتية ـ الهندية، الغابرة التي يعدونها بمثابة ـ الجد الأعلى لعائلة اللغات التي تحمل اسم الهندو ـ أوروبية.. ومنها بالذات اللاتينية وهي بدورها اللسان ـ الأم لأهم اللغات المحكية في غرب أوروبا ـ من الايطالية الى الفرنسية الى الاسبانية ثم الى حد كبير.. والانجليزية أيضا ومن مادة دا - العطاء في لغة الهند القديم الى مادة العطاء في لغات غرب أوروبا الحديثة.. ما بين فعل دونيه بمعنى يعطي في الفرنسية الى قرينه في الاسبانية وهو فعل دا ثم الى دونيشن وهي العطية أو الهبة في الانجليزية. لا عجب أن يعمد ت. إس. أليوت وهو سيد شعراء الانجليز المحدثين الى ترداد مقاطع «دا.. دايهافم» وما في حكمها بمعنى العطاء كذلك في حرفها السنسكريتي، ضمن المقاطع الأخيرة من قصيدته الملحمية الشهيرة بعنوان الأرض الخراب التي أبدعها عام 1922 وهي بمثابة مرثية كبرى لما آل إليه العصر الحديث ولاسيما بعد أهوال الحرب العظمى الأولى (1914 - 1918). هذا الحديث عن اللغة ـ عن اللاتينية بالذات يقودنا ـ والكلام يجر بعضه كما يقولون ـ الى دراسة فريدة في بابها ما زلنا نقلب صفحاتها ونحن نخط سطور هذا الحديث. كاتب الدراسة واحد من كبار المثقفين العرب المعاصرين هو المفكر الليبي الدكتور علي فهمي خشيم.. الدراسة منشورة في القاهرة وفيها يذهب الباحث هادئا مطمئنا الى أن ثمة قرابة.. قد تكون صلة رحم وقد تكون مصاهرة وقد تكون الاثنتين معا بين اللاتينية والعربية اللتين يصفهما الدكتور خشيم بأنهما لغتان بعيدتان.. قريبتان. وشأن كل أستاذ كبير، فالدكتور خشيم لا يدعي أنه جاء بالكلمة الأخيرة الفصل، وقصاره انه ـ كما قال في مقدمة ضافية صدر بها الكتاب أو المعجم المنشور بين أيدينا هو أن تكون محاولته بداية لاهتمام أوسع ودراسات أشمل.. لربط الصلة بين اللغتين المتقاربتين في رأيه.. وهو تقارب حدث بفضل ما يصفه بأنه الاقتراض اللغوي. وعليه، فقد نلمح من تقليب الصفحات أن في ذمة اللاتينية لحساب عربيتنا الشريفة رصيدا دائنا يؤكد ـ بغير تعصب أو استعلاء ـ مدى أصالة لغة الضاد وفضل إشعاعها ـ بالاستنارة على حضارة الدنيا. مرة أخرى فما ذهب اليه الأكاديمي الليبي الكبير هو في رأينا ـ وفي رؤيته اجتهاد عالم يريد أن يفتح طريقا ويرتاد تخوما ويومئ الى سبيل غير مسبوق ولا مطروق. الى ترنى مثلا الى أبوللو المعبود اليوناني ومن ثم اللاتيني؟.. أليست الكلمة قريبة من كلمة هبل وكان معبودا في جاهلية العرب ومنه اسم بنو هبل من بطون العرب القدماء، واذا ما استخدمنا منطق القلب والابدال اللغوي المعروف.. لجعلنا العين تحل محل الهاء في عبل ثم نقلب اللفظة فإذا بنا أمام بعل وهو المعبود العروبي القديم جدا كما يقول علي فهمي خشيم. أنظر أيضا الى بونو وبونس وبونا وأحدثها وهي في اللغات المنحدرة من اللاتينية تعني الجيد والحسن والطيب.. بوناسيرا ـ مساء الخير.. بونجور طاب يومك.. الخ. وتأمل في قاموس العرب كلمة بنن حيث البّنه هي الريح الطيبة وجمعها بنان وفي الدارجة الليبية يستخدمون كلمة بنين بمعنى اللذيذ الحلو ماديا ومعنويا على سواء. وهناك كلمة كاسا أو كازا ومعناها الدار أو البيت أو المثوى في لغات غرب أوروبا (كازا بلانكا ـ الدار البيضاء) والأصل في العربية من كلمة خصّ وهو بيت من شجر أو قصب البوص والجمع خصائص وأخصاص. وتعالى الى هستوريا بمعنى التاريخ والحكايات ويراها الباحث مستمدة من مادة سطور وأسطورة (لو تصورتها هسطوريا لاقتنعت). وفي اللاتينية وفي فروعها الغرب ـ أوروبية يطلقون على الأرض اسم تيرا ويراها الدكتور خشيم عالة على كلمة الثرى العربية. ويطلقون على الملك اسم ركس ويراها مستمدة من كلمة رأس العربية ومنها طبعا رئيس والرسّ في القاموس هو الأصل والأساس (وفي الحبشة يستخدمون لفظة رأس على الزعيم الكبير وكان إمبراطور الحبشة السابق هيلاسلاسي يحمل قبل توليه عرش أثيوبيا اسم الرأس تيفري). وفي دنيا الفلسفة ـ وربما في السياسة أيضا تشيع كلمة كايوس ومعناها في اليونانية الى اللاتينية الفراغ فضلا عن معناها المحدث الذي يدل على الخلط والاضطراب والفوضى ويعود بها صاحب الدراسة الى كلمة خوا أو هي الخواء في العربية. وحتى اداة التواصل المحكية بين الناس هي لنغوا في اللاتينية.. فإن حذفت منها النون الفيت نفسك أمام لفظة لغا العربية وهي طبعا مادة لغة. أما النون فهي حرف زائد متطفل دخيل يدل على ذلك أنك بالرجوع الى الأم ـ اليونانية لوجدت أن لفظة كلمة وكلام ومن ثم منطق هي لوغا ولوغوس بغير نون.. ولا يحزنون. ومن طرائف اجتهادات الدكتور فهمي خشيم ما قد يجعل أعضاء جوقة المنشدين المرددين في الموسيقى يزعلون.. لماذا؟.. هم ينسبون أنفسهم ولا فخر الى كلمة كورس اليونانية ومن ثم اللاتينية ومشتقاتها ـ كورال مثلا لكن البروفيسور خشيم يعود بكلمة كورس الى لفظة خوار العربية ومعناها الصياح ولكن معناها أيضا هو صوت الثيران والأبقار. أخيرا ـ ومساحة المقال تضيق علينا ـ نقطف من ثمرات هذا الكتاب إشارة لماّحة الى أن لفظة (دي) في لغات أوروبا ـ الكونت دي مونت كريستو أو الروائي الأشهر أنوريه دي بلزاك... الخ.. إنما ترجع الى لفظة ذي وهي من الأسماء الخمسة (ذو الرقة أو ذو القرنين أو ذو نواس) كما يعرف دارسو أجرومية الضاد الكلية الاحترام. وفي نطاق الدال أيضا نجد لفظة دييس اللاتينية ومنها لفظة داي الانجليزية ودياس الأسبانية بمعنى النهار.. أما طلوع النهار فهو دون وهو الفجر وانبلاج الصبح وكلها كما يقول العم خشيم تستمد جذورها من ضوا حيث أقدمت أوروبا على تخفيف الضاد اليعربية لتصبح دالا ومن ثم استخدامها لتدل على الضياء والفجر وطلوع النهار و.. الله أعلم.