الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 سوف يرتكب ارييل شارون خطأ قاتلاً إذا حاول عملياً توسيع نطاق الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين لتشمل أيضاً تنظيم «القاعدة» بزعامة ابن لادن، لأن هذا التوسيع سوف يعني اضافة بعد عالمي خطير إلى هذه الحرب. لقد سمعنا هذا الأسبوع اعلاناً ذا طبيعة تهديدية من رئيس الوزراء الاسرائيلي، يقول فيه ان لدى اسرائيل معلومات تفيد ان عدداً من عناصر «القاعدة» موجودون في قطاع غزة وآخرين في لبنان حيث يقيمون تعاوناً وثيقاً مع «حزب الله». ومع نفي كل من السلطة الفلسطينية و«حزب الله»، هذه المعلومة الاسرائيلية، أوردت الأخبار في الوقت نفسه أن موقعاً على الانترنت أعلن عن وجود تنظيم خاص في فلسطين باسم «تنظيم القاعدة الاسلامي في فلسطين» وذكر الموقع ان التنظيم يضع في أولوياته «مواجهة الغزو اليهودي الصهيوني في الأراضي الفلسطينية». في هذه المرحلة المبكرة تبقى ملامح الصورة غامضة لحين إشعار آخر، فهناك أسئلة معلقة حتى الآن: ـ هل تنظيم «القاعدة» بزعامة ابن لادن هو المسئول فعلاً عن مهاجمة هدفين اسرائيليين في كينيا مؤخراً؟ ـ هل يوجد فعلاً فرع لـ «القاعدة» في كل من غزة ولبنان؟ ـ هل تعتزم اسرائيل فعلاً القيام بعمل ما ضد «القاعدة» انتقاماً لحادثة التفجير الازدواجية في كينيا؟ ـ هل تنفذ اسرائيل هذا العمل الانتقامي في الخارج؟ مما لا شك فيه أن ارييل شارون يعتزم فعلاً تدبير وتنفيذ عملية انتقامية ضد «القاعدة» ولكن عليه أولاً بالطبع أن يحصل على أدلة دامغة ومفصلة بما في ذلك تشخيص الأفراد الذين دبروا حادثة كينيا. وفي أي مكان في العالم يقيمون. ان الحصول على الأدلة الدامغة ليس بالمهمة السهلة، فالتحريات في حادثة كينيا تبدو وكأنها تائهة على طريقة حادثة ملهى «بالي» في أندونيسيا وحادثتي السفينة الأميركية «كول» وناقلة النفط الفرنسية على ساحل عدن، وتفجيرات سبتمبر في أميركا. لكن شارون يدرك ان الشعب الاسرائيلي لن ينسى ذلك الوعد الذي أقسم عليه رئيس الوزراء بالانتقام ويعلم أن مصداقيته على المحك مع بداية العد التنازلي للانتخابات العامة قبل نهاية يناير، ولذلك فإن شارون في أغلب الظن لن ينتظر ان تصل التحريات بشأن حادثة كينيا إلى طريق مسدود في نهاية المطاف. بهذه القناعة السالبة يبدو أن شارون قرر ان يقوم بضربة في اتجاه ما باسم الانتقام من تنظيم «القاعدة»، على أن يكون هدف الضربة خارج فلسطين حتى يكون للعملية قدر من المصداقية في نظر الرأي العام الاسرائيلي بأنها ليست على نسق العمليات الروتينية ضد المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة. هنا ربما ندرك مغزى اعلان شارون هذا الأسبوع بأن هناك وجوداً لـ «القاعدة» على الأراضي اللبنانية يقيم تعاوناً «وثيقاً» مع «حزب الله» اللبناني. إذا قبلنا ان تنظيم «القاعدة» وراء حادثة التفجير الازدواجية في كينيا وهذا هو الاحتمال الارجح لدى اسرائيل والولايات المتحدة والعالم، بما في ذلك الجهات المتعاطفة مع «القاعدة» فإننا ينبغي ان نستذكر أن هذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها التنظيم هدفاً اسرائيلياً. كأن قيادات «القاعدة» قررت إعلان حرب على الدولة اليهودية مما يمكن ان يعتبر بداية مرحلة جديدة تماماً، وإذا كان من غير المعقول ان قيادات هذا التنظيم العالمي لم تضع في اعتبارات حساباتها ان اسرائيل سوف تقوم بتحرك مضاد، فإن حادثة كينيا تبدو وكأنها صممت أصلاً لتكون تحدياً علنياً لاسرائيل من أجل جرها إلى ميدان معركة جديدة. وأغلب الظن اذن ان شارون سوف يجر اسرائيل إلى هذا الفخ، إذا قرر فعلاً توجيه ضربة إلى «حزب الله» اللبناني، باعتبار أنه ـ كما قال شارون ـ يستضيف على الأرض اللبنانية فرعاً لتنظيم «القاعدة» يقيم معه تعاوناً ضد الدولة اليهودية. وإذا فعل شارون هذا فإنه سوف يرتكب خطأً قاتلاً ربما يمثل نقطة تحول في الصراع الدائر بتوسيع دائرته إلى مستوى اقليمي، ثم إلى مستوى عالمي. لماذا؟ أولاً: لأن ضرب «حزب الله» اللبناني يعني استفزازه إلى وضع نهاية لحياده القتالي تجاه الساحة الفلسطينية، واعطائه الذريعة المنشودة لاحياء نشاطه القتالي ضد اسرائيل باعادة فتح الجبهة الحدودية في الجنوب اللبناني. ثانياً: إذا كان شارون سوف يصور ضربته في لبنان على أنها عملية انتقامية ضد «القاعدة»، فإن ذلك سوف يوفر لـ «القاعدة» الذريعة التي تريدها لاستهداف أهداف اسرائيلية متسلسلة على مساحة العالم بأسره. ثالثاً: إذا اشتعلت حرب عالمية بين «القاعدة» واسرائيل، فإن الخطوط الباهتة الفاصلة بين «الحرب ضد الارهاب» والمقاومة ضد اسرائيل سوف تنمحي نهائياً على صعيد العالم العربي والإسلامي.. مما يحرج الحكومات العربية والإسلامية.