الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 يعتبر ليندون لاروش ـ مرشح الرئاسة الأميركية القادم ـ من الأصوات القليلة العاقلة في الولايات المتحدة التي حذرت منذ أحداث 11 سبتمبر من الانسياق وراء الدعاية المغرضة التي يبثها اللوبي الصهيوني واسرائيل في الولايات المتحدة، وقد أعطى مؤخرا في عدة مقالات في مجلة «المخابرات التنفيذية The Executive Intelligence وصفا دقيقا لهذه الحرب، وأنها تستهدف الابقاء على الصراع القائم حول الحضارات، وناشد الأشخاص ذوي الارادة الطيبة في كل مكان أن ينضموا اليه للقضاء على هذا الجنون. والمثير للدهشة البراعة التي استطاع بها «لاروش» ربط الحرب الامبريالية العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة بظهور «العنف الجديد» الذي يقوم به الشباب الأميركي الذين تم غسل أدمغتهم بمشاهدتهم لأفلام العنف وألعاب الكمبيوتر. وفي اشارة الى تصاعد الحملات من أجل شن الحرب ضد العراق قال لاروش: «إن الهدف الرئيسي من وراء هذه العملية هو استغلال هذا الموقف من أجل استمرار الحرب على نطاق أوسع، واشعال حرب صدام الحضارات التي يريدها كل من (سام هنتنغتون) و(زبيجينو بريجنسكي)، وعلى هذا فإن كل ما نشاهده اليوم يجري على الساحة الأميركية هو خليط من كل هذا. وأن تجنيد وتدريب الأعداد الكبيرة من الشباب الذين لا فائدة منهم، والذين أصيبوا بالذهان، أو الشباب الذين على وشك الاصابة به، نتيجة لادمانهم مشاهدة ألعاب «الننتندو Nintendo التي صممتها الآلة العسكرية الأميركية، وشاع انتشارها عن طريق القوات المسلحة بالتعاون مع الانتاج الياباني لهذه الألعاب، وما الى ذلك». ثم يمضي لاروش في مقالته قائلا: «إننا الآن نعمل على اضمحلال قدرات شعبنا وشبابنا وشباب العالم الآخرين، ونعمل على تحويل العدد الكبير منهم الى أفراد يسري في عروقهم حب إراقة الدماء، ونربيهم على أن يكونوا قتلة محترفين، ونقوم بتدريبهم أولا على ألعاب الفيديو ثم يتحولون بعد ذلك الى التدريب على أسلحة القتال الفعلية، وتنفيذ ما تدربوا عليه في مشاهدتهم لألعاب الفيديو. إننا نستدعيهم للانضمام للجيش كجنود، ثم نرسل بهم الى مناطق مختلفة من العالم كجزء من حرب صدام الحضارات. وما عليك إلا أن تضع الاثنين معا فتحصل بسهولة على نسخة مشابهة (للفيلق الروماني الجديد New Roman Legion أو وافن الجديد The New Waffen- لكي ننشرهم حول العالم» قواعد اللعبة ويشرح «لاروش» وجهة نظره في مقال بعنوان «القواعد التي على أساسها تسير اللعبة»، ويهاجم السيناتور «غوليبرمان الذي يلعب دورا أساسيا في حماية صناعة لعبة هوليوود العنيفة، ويطالب بفرض حظر على انتشار ألعاب الكمبيوتر و«الفيديو جيمز» مدللا على خطورة ذلك بما حدث في واقعة القتل التي جرت في فناء مدرسة (إرفورت Erfurt) بألمانيا، والدور الذي قامت به ألعاب الفيديو في غسل دماغ السفاح الذي ارتكب هذه المجزرة «روبرت شناين هاوسر». وحول الخطر المحدق بالحضارة الانسانية من جراء اشتداد الصراع المستعر في الشرق الأوسط، أوضح لاروش أن هناك امكانية للوصول الى حل لهذا النزاع، خاصة وأنه ذو طبيعة دولية، وقد تفجر نتيجة لعوامل استراتيجية متعددة، ولكنه يهدد بالانتشار ليس فقط داخل حدود منطقة الشرق الأوسط ولكن أيضا خارجها، بل ويهدد بالقضاء على الأجيال والحضارات القادمة في ظل الظروف القائمة (ويقصد بذلك الزعامات اليمينية الدينية المتطرفة والمسيطرة على الحكم في اسرائيل). أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن لاروش يؤكد وجود فراغ سياسي تعانيه أميركا، سواء فيما يخص الادارة أو الأحزاب أو المخططات السياسية والاستراتيجية. وفي ذلك يقول: «ليس لنا رئيس في الولايات المتحدة تغلب عليه صفات الرئيس المفروض أن يكون على رأس الولايات المتحدة.. إلا أن الرجل أصبح رئيسا وعلينا أن نتعامل معه على هذا الأساس ونقنعه بذلك. وأن نخلق حوله بيئة تعمل لصالح كل الولايات المتحدة، وليس لقطاع صغير يعمل لصالح دولة أخرى (يقصد اسرائيل)، علينا أن نقول له: لا تخف ما يسمى باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وتأثيره في الانتخابات، وأن الأميركيين المخلصين قادرين على كشف مناورات هذا اللوبي والتصدي له وتقليص فعالياته، علينا أيضا أن نرشح له مستشارين صالحين ومخلصين بدلا من المتشددين المحيطين به في البنتاغون ومجلس الأمن القومي ونائب الرئيس، علينا كذلك أن نثير في جورج بوش الحماس بأن نقضي على شعوره بالنقص والقصور، ونغذي فيه الشعور بأنه رئيس عظيم للولايات المتحدة، وأن الأجيال القادمة ستذكره بهذا الوصف، حتى يستعيد الثقة في نفسه ويتحرك بما تمليه مصالح الولايات المتحدة الحقيقية». ويمضي «لاروش» محددا الواجب والمهمة التي ينبغي أن تنهض بها الولايات المتحدة لإحلال السلام في الشرق الأوسط، فيقول واصفا بلاده «اننا مازلنا قوة ـ ولكن لا نستحقها، ولكننا أقوياء. بمعنى أن لدينا القدرة كدولة بسبب نفوذنا التاريخي ـ وليس بسبب حكومتنا الحالية أو بسبب عاداتنا وتقاليدنا ـ في أن نتدخل في الشئون العالمية، ليس كدكتاتوريين، بل كسلطة وقوة أخلاقية، وبما يجعل الأحداث تسير نحو الأصلح، والذي لا يمكن أن يتحقق بغير ذلك. فإذا استطاع الرئيس الأميركي أن يكون لديه الذكاء والحكمة للتدخل في الشرق الأوسط على أسس عادلة، فستتوقف مشاهد الرعب الجارية هناك في الحال، ليس لأن الولايات المتحدة تملك القوة المادية التي تستطيع بها إخماد ما يمارسه شارون من عدوان، ولكن لأن الولايات المتحدة إذا أقدمت على هذه الخطوة، فعندئذ ستقوم دول أوروبا بالوقوف الى جانبنا وتساندنا وتتعاون معنا لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وستفعل نفس الشئ دول أخرى كثيرة في العالم، وبما يؤدي الى وقف عمليات القتل وسفك الدماء هناك، وتجلب له السلام». ثم يوضح لاروش أن المشكلة التي تعاني منها القيادة السياسية في الولايات المتحدة، ليس في عدم وجود حلول وأفكار لمشكلة الشرق الأوسط، بل أن هناك الكثير منها موجود في أدراج وزارة الخارجية لاحلال السلام في تلك المنطقة، ولكن المشكلة تتمثل في عدم وجود إرادة على وضع أحد هذه الحلول موضع التنفيذ، واذا ما توافرت الارادة فيوجد تقاعس في القدرة على تنفيذ هذه الارادة بسبب تأثيرات مناخ انتخابات الكونغرس والرئاسة، والخضوع لرغبات القوى الداخلية وجماعات الضغط المؤثرة في هذه الانتخابات، وهو ما يستحوذ على اهتمامات الرئيس والادارة والمستشارين المحيطين به، وهذا في الواقع يعطل حل مشكلة الشرق الأوسط، وينقلها من سيئ الى أسوأ، وبما يضر بمصالح الولايات المتحدة في النهاية، وعلى نحو أسوأ مما حدث في 11 سبتمبر، وأرجع لاروش ذلك الى عدم قدرة القادرين على قول الحقيقة بصوت عال مهما كانت صعبة ومرة. ثم ضرب «لاروش» مثلا بموقف الرئيس الأسبق أيزنهاور في أزمة السويس عام 1956، عندما رأى مصلحة الولايات المتحدة مجردة من أي تأثيرات جانبية داخلية أو خارجية، وفرض على بريطانيا وفرنسا واسرائيل الانسحاب من سيناء. الحرب الدينية وحول سياسة شارون في الشرق الأوسط والمذابح التي يرتكبها ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، أوضح لاروش أن شارون عندما أراد أن يكسب اليمين المتطرف في اسرائيل الى جانبه في الانتخابات في مواجهة باراك، قام بالاعتداء على أحد الأماكن الاسلامية المقدسة في القدس، وهو المسجد الأقصى، وقد سهل له باراك ذلك، وبذلك أشعل شارون أول شرارة في الحرب الدينية التي يريدها أن تسود منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يجب أن تفطن اليه الولايات المتحدة وتتجنب الانزلاق اليه بفعل تحريضات شارون، خاصة وأن الأمر تكرر باحتلال «السفاحين» من الجنود الاسرائيليين لكنيسة المهد بعد ذلك عندما لجأ اليها بعض الفلسطينيين، وأكد لاروش «إن أحد شروط احلال السلام في الشرق الأوسط، ولكي نتجنب حرب صدام الحضارات، أن نتجنب أصلا سيناريو حرب (الثلاثون عاما)، وذلك بأن نحفظ للأماكن المقدسة قدسيتها، وأن نصون حرماتها، والا نسمح لأي فرد المساومة عليها. لذلك فإن أي اتفاق سيجري التوصل اليه يجب أن يرتكز في الأساس على السلام الديني، وأن تعطى الأماكن المقدسة الصلاحيات والحصانة التي تمكنها من أداء وظائفها دون اي أذى أو معوقات، وعلى أي حكومة مهما كان وضعها أن تحترم هذه القواعد، وبدون ذلك لا يمكن أن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط، بل لن يكون هناك سلام في العالم، لأن الاعتداء على الأماكن المقدسة لا يعد مشكلة أمنية أو سياسية، بل يعني أنهم يريدون حربا دينية». ثم انتقد لاروش موقف الكنيسة الكاثوليكية الأميركية من الاعتداء على كنيسة المهد، وتساءل: «لماذا سمحت الكنيسة الكاثوليكية الأميركية لنفسها أن تقف عاجزة عن الكلام تحت تأثير الفضيحة المنظمة التي دبرت ضد الكاردينال «لو» في بوسطن؟ ولماذا لم ترفع الكنائس البروتستانتية الأميركية صوتها ضد ما حدث؟ هل ذلك بسبب أنهم خائفون من بعض البروتستانت المحيطين بالرئيس بوش؟ أم خائفون من النائب العام للولايات المتحدة؟ ولماذا لا يوجد شخص في الولايات المتحدة يرفع صوته صائحا: «أين حفنة أولئك الجبناء الذين يطلقون على أنفسهم (المسيحيين الصهيونيين) في الولايات المتحدة، إنهم جبناء وليسوا مسيحيين لأنهم يشعلون أوار حرب دينية عالمية لا يدركون حجم مخاطرها». ثم طالب لاروش الكنيسة الكاثوليكية الأميركية باتخاذ موقف واضح يدين الاعتداءات الاسرائيلية على كل الأماكن المقدسة في الأراضي المحتلة، وأن تشكل الكنيسة الأميركية قوة ضغط على ادارة بوش لمنع شارون من المساس بهذه الأماكن، وحذر من خضوع الكنيسة لضغوط المؤامرات القذرة التي يدبرها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي لا يهتم بتقديس هذه الحرمات بقدر اهتمامه بتحويلها الى أرض معارك دينية ستؤدي الى حرب عالمية في النهاية. ثم انتقل لاروش الى سيطرة المتطرفين اليهود على مجريات السياسة الاسرائيلية منذ اغتيال اسحق رابين على أيدي واحد منهم. وأرجع فشل باراك في التوصل الى اتفاق مع عرفات إبان إدارة كلينتون الى خوف باراك من أن يحدث معه ما حدث مع رابين، بأن يقتله أولئك المتطرفون من الليكود، خاصة وأن قتلة رابين لم يحاكموا محاكمة فعلية، وأن الذين دبروا عملية اغتياله لم يقدموا أصلا الى المحاكمة، وهم زعماء وحاخامات الليكود المسيطرون على الحكم في اسرائيل اليوم من خلال وزارة شارون. لذلك وصف لاروش سياسة اسرائيل منذ اغتيال رابين بأنها «في قبضة الفاشيين والنازيين». والغريب في هذا الأمر ـ على حد قول لاروش ـ أن شارون يريد من الولايات المتحدة أن تقدمه للعالم بأنه «رجل سلام»، هذا مع اقتناع الجميع بما فيهم شارون وبوش بأن الأول ليس رجل سلام، ولا يهمه إستتباب السلام في الشرق الأوسط، بقدر ما يهمه تحقيق أهدافه التي جاء بها الى الحكم في اسرائيل، وهي ضم ال22% الباقية من أراضي الضفة الغربية الى اسرائيل ليسجل له التاريخ أنه قام بتوسيع رقعة اسرائيل بأن ضم لها كل الضفة الغربية الفلسطينية وأوصل حدودها الشرقية الى نهر الأردن. ثم تساءل لاروش: «ما الفرق بين هتلر وشارون؟ وهل يمكن أن نسمي هتلر رجل سلام؟ إنهما نسختان طبق الأصل في ميزان التاريخ، وقد ارتكبا الجريمة نفسها، ولابد أن يحاكما على نفس الجريمة، إن شارون نازي مثل هتلر لأنه يسلك سلوكه، ويجب أن تكون لدى الأميركيين الشجاعة ليقولوا هذا». وطالب لاروش الادارة الأميركية بأن تساعد الفلسطينيين الذين قاسوا طويلا من وحشية الاسرائيليين لعقود من الزمن على الحصول على نوع من التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بحقوقهم في الموارد المائية التي هي أساس الحياة والتنمية، وأن تتيح الفرصة لابنائهم لكي يعملوا ويعيشوا في مستوى إنساني لائق، وإلا ما معنى التضحية التي قدمها الفلسطينيون الذين سقطوا برصاص الاسرائيليين دفاعا عن أرضهم ومقدساتهم؟ يجب أن تعطي الادارة الأميركية في أي اتفاق يجري السعي لتحقيقه، معنى واضحاً للفلسطينيين بأن ما قدموه من تضحيات وجدوا له ثمنا، وذلك حتى تكون لحياتهم معنى. ويختتم لاروش كلامه قائلا: إن شارون غير جدير بأن يقدم شيئا يقبله أي فلسطيني محترم أو أي كائن آخر في مثل هذا الموقف الذي يحياه الشعب الفلسطيني. إن على الولايات المتحدة ألا تقول: «إننا نريد إيماءة من شارون لكي تبدو سياسة بوش العفنة وكأنها سياسة طيبة، إننا نريد أن نظهر قبح سياسة بوش السيئة في أعتى صور القبح لكي نولد عنده الحاجة لتغييرها.. وهذه هي الفرصة الوحيدة أمامنا». ـ كاتب سياسي من مصر