الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 لا أدري هل من الملائم في العيد أن أفتتح كلامي بسؤال فيه مرارة على الرغم من سلاسة الشعر الذي يسوقه، فأقول مع الشاعر: عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيه تجديد أم أنساق على ما يُفتَرَض أنه معتاد في مناخ العيد مما ترتاح له النفوس وتطرب؟! ندخل عيد الفطر هذا العام محاطين بالمخاوف، مكبلين بالبلادة أو بما يمكن أن يجمله البعض منا ويقول: إنه الحكمة، حتى لو كانت مستثقلَة وشديدة الوطأة والتكاليف. هناك زمن يكون فيه العيد ابتسامة وضحكة رضا وفسحة أمل وزمن يكون فيه العيد شحنة قهر وتيار أسى ورصاصة تخترم جسداً فتنهي عمراً تورث البؤس والأسى لأناس، ونحن بين لحظة يكون فيها العيد صيحة من أعلى جبال فلسطين: أين أنتم؟، الأطفال يقتلون وليس لهم أمن من جوع وخوف ولا طعام.. أين أنتم؟ وقد طفح الكيل وطمّ السيل وزاد الهم عن قدرة أيوب الفلسطيني على الاحتمال؟.. ولحظة أخرى يكون فيها اجتياح وتدمير وتسفير وقهر من كل لون وتصريحات بائسة هنا وهناك وأخرى تنذر بعظائم الأمور. العيد بعض وجوه الزمن المشرقة عند من يحصرهم الزمن في دائرة التعب والبؤس والمعاناة، ويفتَرَض أن يكون في العيد فرح وأن يتهادى الناس الابتسامة والأمل، وأن يشمل الاطمئنان النفوس والقلوب وتخلو الأرواح من الرهَق الذي يلاحقها في أيام كثيرة إن لم يكن في معظم الأيام. العيد فسحة بوح بشري عام بين الناس على أرضية من الصفاء والمودة.. ولكن هل يتاح لكثيرين منا، نحن عرب يوم، عيد من هذا النوع أو ذاك مما نرتاح فيه، لا سيما في أرض يجثم فوقها الاحتلال بعنصريته ودمويته وإرهابه المقيت، وأخرى يتهدد أهلها العدوان والتدمير ويفترسهم فيها الحصار منذ سنوات؟! تمايز القلوب يوم الاثنين في الثامن والعشرين من شهر رمضان عام 1423 هـ قبل عيد الفطر بيومين، رشق طفل فلسطيني دبابة «إسرائيلية»، كانت تجتاح بلدته جنين، ببعض الحجارة التي جمعها بكفه ثم تعلق بتلك الدبابة وكأنه فارس من عصر مضى يريد أن يقتحم حصونها المنيعة بلحم جسده، أو هكذا قيل، فأمطرته الدبابة بالرصاص حتى سقط شهيداً. هذه الحادثة من جملة حوادث كثيرة تكررت في فلسطين، لا سيما خلال انتفاضة الأقصى المبارك منذ سنتين ونيف. لم يعلق أحد على الأمر لأنه دخل في المعتاد، فمنذ سنوات يقتل الصهاينة أطفالاً فلسطينيين يرشقون دباباتهم بالحجارة وهي تزرع الدمار والموت في ديارهم؛ ولم أرمِ من وراء ذكر هذه الحادثة إلى أن أحث أحداً من الرسميين على التعليق، ابتداء من السيد جورج بوش وانتهاء بالرئيس عرفات مروراً برسميي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ودول أوروبا والوطن العربي، لكن ذكري لها في معرض الحديث عن العيد جاء نتيجة انصبابها على كأنها زخات رصاص وأنا أتذكر أحفادي وما يمكن أن أقدمه لهم في العيد لو كانوا قريبين مني، وكيف يمكن أن يدخلوا البسمة وربما الفرحة إلى قلبي وبيتي. يوم العيد سيدخل كل أب مسلم إلى بيته وعلى شفته ابتسامة أو بيده هدية يقدمها لطفله أو لحفيده أو لعزيز عليه عدا معظم الآباء في فلسطين المحتلة ومن هم على شاكلتهم في الهم والاهتمام والمصاب، فكثير من أولئك، إن لم نقل كل أولئك، سيدخلون إلى بيوتهم بدمعة وغصة أو تتزحلق قلوبهم وهم يدخلون بيوتهم في مجرى من دمع أم أو أخت أو أخ، يفيض على عزيز قضى وآخر في المعتقل وثالث ملاحق في كل زاوية من الوطن، وعلى بيت تهدم وشجر اقتلع وأمن شريد في الوعَر يستأثر بكل فرح العيد ويحبسه هناك في فضاء لم تنطلق فيه الحرية ويجمده الاحتلال العنصري في ذاكرة الزمن، ويسرقه الغزاة من قطاع طرق العصر الحديث. صباح العيد لحظة لا تجمعنا نحن المسلمين اليوم على فرح تام وألفة شاملة في بيت الأمة الأوسع وروحها الأرحب، بل لحظة تظهر التمايز والتمييز والتنابذ بين قلوب لا تعبأ بقلوب، وأخرى تذوب حسرة وألماً وتتمنى لو يكون لها من اهتمام أخوتها نصيب، وثالثة تلوب من أسى على ما يكون من شأن الناس هنا وهناك وتتمنى لو تكون في موقع فعال يخفف الشدة أو يكون قوة على العدو. أين المعيار؟ من قال إننا في العيد أمة واحدة وقلوب مطمئنة متقاربة ومتحابة وأجسام متراصة يسهر فيها العضو لسقم العضو الآخر وشكواه؟! نحن قلوب شتى وأهواء شتى وإيمان شتيت، وإلا لما أكل الوحش رأس أخينا ونحن ننظر ولا نحرك ساكناً وكأنما المأكول لا يمت إلينا بصله، وكأن ما يجري له اليوم لا ينتظرنا غداً؟! عالم من وحشة أو وحوش يلفه ضوء الشمس في صباح العيد، وكل يزدهي ويزهو تحت وهج الشمس بماء يشاء: بعض يزدهي ويزهو بملابسه، وبعض بسلاحه، وبعض بجرائمه، وبعض بجبنه، وبعض بما ملك، وبعض بمن أهلك وقد هلك، وبعض بجراح لم يغطها التراب ودم يسيج البيوت والمقدسات، وبعض بما ينتظر من جراح ورحمة من الله وجنة رضوان عرضها السماوات والأرض؟! فهل نحن أمة واحدة صامت شهراً واحداً وتعبد إلهاً واحداً؟! إن ذلك في رأيي موضع سؤال عريض حتى لا نقول موضع شك كبير. إن من حقنا أن يكون لنا عيد، ومن حقنا أن يكون لنا ما نرفع الرأس به، وليست فلسطين سجناً مسيجاً بالقهر الصهيوني فقط، وإنما هي أيضاً إرادة مقاومة فذة.. إنها تلك القامات العالية التي ترفض، رغم القهر وشدة التنكيل وسلبية الأهل وظلم سواهم، ترفض أن تركع وتخضع وتستسلم.. إنها أيضاً أولئك النفر من المقاومين الأشداء والمجاهدين الاستشهاديين الذين يردون عن الأهل والوطن والمقدسات بعض صور الإجرام ويجعلون العدو يدفع ثمن بعض جرائمه. وهذا الوجه من وجوه فلسطين يجب ألا ننساه وألا يغيب عن ساحة الرؤية في كل الأوقات، كما ينبغي أن يدخل في حسابات الأمة وهي تحصي ما لها وما عليها، إن هي فعلت ذلك يوما، فتجعل هذا في إيجابياتها وفي مقدمة ما يمكن أن تؤسس عليه لانطلاقة أمل جديد في هذا الليل الذي يزداد حُلْكَة، والعصر الذي يزداد بؤساً على يدي أعداء ليس للعروبة والإسلام فقط وإنما للحرية والعدالة والحقيقة والإنسانية وحضارتها، حيث يشوهون بالقوة الغاشمة وجه الفرح والعيد وكل ما يجعل حياة الإنسان ذات قيمة، وقيمه ذات تأثير في صنع صورة الحياة وصورة المستقبل. وينبغي ألا يغيب عنا في وضع الضعف الذي نحن فيه ما في التحدي الذي يُفرَض علينا من إمكانيات لإطلاق طاقات وقدرات كامنة فينا من عقالها وهي تحتاج إلى ما يحركها ويطلقها من ذلك العقال لتصبح إبداعاً في المواجهة ومواجهة للواقع المر بعقل مفتوح على الأمل والعمل والإبداع. إن المقاومة الفذة التي يقوم بها فلسطينيون ضد العدو في أوضاع شديدة القسوة يجب أن تفتح عيوننا على الأمل، ولكن ينبغي أيضاً ألا نقابلها بشيء من الارتياب في نتائجها حتى لو جاءتها ضربات شديدة في بعض الحالات مما يشكل لآمالنا ضربة قوية. ونحن مدعوون إلى شيء من الإيجابية في المناصرة لأخوتنا في مواقع الصمود والعمل وإلى تحمل قسط مما ينوبهم، فهل ترانا نكون معهم ومنهم أم أن هناك من سيتخلى عن التعرف عليهم والانتماء لهم، ولا نقول الوقوف إلى جانبهم والخوض فيما يخوضونه من جهاد؟! إن وقع الظروف المقبلة سيكون أشد وقعاً على المقاومة والوطن كله، ولكن حين نكون صفاً واحداً نخفف من وقع المصاب وربما نستطيع أن نمنعه ونوقف ما يحمله من كوارث . ويبدو أن القادم سيكون أشد على الجميع مما نتوقع، وقد يكون لمواقف التعاطف والتأييد ثمن، فمن يريد أن يدخل هذا المدخل عليه أن يحسب حساباته جيداً ويختار، ولكل اختيار ثمن. اليوم أصبحت المساعدة المالية يقدمها عربي أو مسلم لعربي أو مسلم آخر نوعاً من دعم الإرهاب والمشاركة فيه وفق المنطوق الأميركي الصهيوني ـ وما تسريب أخبار من واشنطن تشي باتهامات للأميرة هيفاء الفيصل التي ساعدت محتاجين إلا من هذا القبيل، بصرف النظر عما يراد من وراء إثارة هذا الموضوع وأبعاد الابتزاز المقصود ـ وأصبح وجود صورة لشهيد فلسطيني في بيت عربي أو مسلم يقيم في الغرب ـ وعسى ألا يصل الأمر لمن يقيم في بلاد العرب والمسلمين. أصبحت من الأدلة على ممارسة الإرهاب ودعمه، وليس هذا من باب الفذلكة في الكلام فمن الأدلة التي قدمها رئيس المخابرات في هولندا ضد أربعة مسلمين اتهمهم بالانتماء لتنظيم القاعدة صورة للطفل الشهيد محمد الدرة. ولمن يستفزه العجب نقول لا تعجب فكل ما يراه الصهاينة يراه الغربيون، وكل شهيد هنا إرهابي مجرم هناك، فالمقاومة ضد الاحتلال مشروعة في أماكن ومواقع وتواريخ وبلدان أمم ومحرمة ومدانة في أخرى، فليس هناك معيار عند اللصوص وقطاع الطرق والمجرمين ومن تعميهم القوة والمصالح المتورمة، فكل ما يقولونه ويعتقدون به ويخدم مصالحهم يصبح هو المعيار. ولو كان هناك معيار سليم واستقامة في تطبيق المعايير لاختلفت الأحكام والمواقف. هدايا العيد! ومن الضروري أن نتذكر ونفكر جيداً، في هذا الوقت المتزامن مع العيد، أنه قدمت لنا ولمقاومتنا ولمستقبل أيامنا «هديتان» من الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية، علينا أن نفكر بنتائجهما ومدلولاتهما وأبعادهما جيداً: الأولى قطع المساعدات العربية عن ورثة الاستشهاديين، بذريعة أن ذلك، فيما لو استمر فانه يشكل دعماً للإرهاب من وجهة النظر الأميروـ صهيونية. والثانية هدية مقابلة تماماً ولكن الأولى تكمل الثانية وتصب في المجرى الاستراتيجي ذاته وهي تتصل بالبرنامج الأميركي ـ الإسرائيلي المقبل والمكون من شقين من المساعدات الأميركية للكيان الصهيوني: ـ مساعدات اقتصادية ومساهمات مالية لسد العجز الحاصل نتيجة الانتفاضة ولتقديم مساعدات جديدة لمن يستقدم الكيان الصهيوني للاستيطان، وتوسيع دائرة تلك المساعدات لتشمل جميع المجلوبين إلى فلسطين من أي مكان وليس أولئك القادمون من الاتحاد الروسي فقط، وفي هذا المجال هناك حديث عن عشرة مليارات دولار عاجلة تقدمها الولايات المتحدة الأميركية. أما الشق الثاني الخطير من المساعدات فيصل إلى 162 مليار دولار أميركي تبادل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة حولهما المذكرات ويبدأ تقديم هذا المبلغ في عام 2004 وهو مساعدات في المجال العسكري وتطوير الأسلحة والأبحاث الخاصة بهذا المجال، وقد جاء في إعلان صادر عن الخارجية الأميركية في 20/11 /2002 حول ذلك الآتي بالنص: ز تبادلت الولايات المتحدة وإسرائيل مذكرتين يوم 15 نوفمبر للتأكيد بأن الولايات المتحدة تعتزم تزويد إسرائيل بمساعدات عسكرية بقيمة 162 مليار في السنة المالية 2004 وذلك كجزء من خطة المساعدات الأمنية الأميركية ـ الإسرائيلية المشتركة. وهذه المساعدات التي تخضع لموافقة الكونغرس، تعتبر ضرورية للحفاظ على برامج مساعدات أمنية هامة لإسرائيل «و» وأكدنا أنه من أجل توفير العتاد العسكري المتقدم والتكنولوجيا المتطورة ستقوم الولايات المتحدة بتقويم طلبات إسرائيل مستندة إلى نفس المعايير والمواصفات التي تطبق على أعضاء حلف ناتو». ـ وجاء في المؤتمر الصحفي للناطق باسم الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر يوم 25 نوفمبر 2002» إننا نساند بقوة جهود إسرائيل لمحاربة الإرهاب، ونحن نسلم بحاجتها لاتخاذ إجراءات مشروعة مضادة للإرهاب.. وفي الوقت نفسه إننا نحث الإسرائيليين على أن يتذكروا تبعات أعمالهم وأن يستكملوا عملياتهم بأسرع وقت ممكن.. إلخ» ولنلاحظ هنا التأكيد المستمر في التصريحات الأميركية منذ وصول شارون إلى السلطة بأن تستكمل إسرائيل عملياتها بتفهم أميركي مطلق وإقرار تام لما يقوم به شارون وتقديم إرهابه البشع على أنه محاربة للإرهاب. إن تقديم مساعدات هائلة ولخدمة الأغراض العسكرية التوسعية الصهيونية من جهة وحجب المساعدات الإنسانية عن الفلسطينيين من جهة أخرى ينطوي على برنامج ملاحقة في الاتجاهين يرمي إلى تحقيق استعمار جديد لمناطق واسعة من الوطن العربي وتعطيل الوجه القومي والإسلامي والإنساني لمناصرة من تفكر الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية أن تضعاه في سلتهما. فهل نفكر بكيفية الرد على ذلك بالتمرد على الوحش الأميركي الصهيوني قبل أن يبتلعنا ونحن نمنع كل شكل من أشكال الاعتراض على ما يريد خوفاً من أن يبتلعنا والنتيجة واحدة في النهاية؟!. ومن العجز أن تموت جبانا. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب