الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 كم تدفع ثمناً لحريتك؟ وما هي ردة الفعل التي سوف تقوم بها اذا ما وجدت ان في الدائرة الاجتماعية المحيطة بك من يحاول ان يمارس عليك ضغوطاً لتعيش اسيراً لمشيئتهم يأمرونك فتطيع، وينهونك فتمتنع، يرون رأيك شيئاً زائدا لا حاجة له، ولا وزن له او ثمن!! ثم ما هي درجة استعدادك لتحمل نتائج اختيارك للحياة متحرراً من التسلط الذي مارسه عليك شخص ما، او جهة ما، او ربما دولة ما؟! وفي استقراء سريع للمكانة الحقيقية التي تمثلها الحرية في حياة الافراد والشعوب سوف تقف على حقيقة تعرفها بالتأكيد ولا تحتاج لمن يزيدك علما بها. وهي ان الحرية حاجة فطرية لا تقل الحاحاً لدى الأسوياء من الناس عن الحاجة الى الماء والهواء، وكلما علا قدر الانسان، وكثرت فضائله، وسمت نفسه، كلما ازداد تشبثاً بأن يمارس حريته دون قيد أو شرط الا تلك الشروط التي تضعها اللوائح الاخلاقية التي هو احرص ما يكون عليها. وأخبار الناس، وتصرفاتهم تجاه حصولهم على حريتهم الشخصية ما هي الا سجل حافل من الانتصارات الكبرى التي يحققها الانسان كل يوم ضدّ التسلط وممارسة اشكال الوصاية العقلية والمادية منها على حدٍ سواء!! وفي هذا السياق نستحضر ذلك الرأي الثاقب للعالم الفذ ابن تيمية رحمه الله، الذي رأى ان اعظم الحريات هي حرية ممارسة التفكير، والتعبير عن الرأي، واختيار الهدف في الحياة وفقاً لقناعة الفرد وليس لقناعة احد سواه. اذ يقول في كلمته الخالدة التي حفظها الألوف من الناس: «ما يفعل اعدائي بي، ان سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة» وقد قدم في هذه العبارة المركزة صورة حقيقية لما يشعر به كل مجاهد من اجل الحرية، وكل مؤمن بأن أول حقوق الانسان هو ان يعّبر عما هداه اليه تفكيره. اما سجن البدن فذلك سجن مؤقت ولا يطال الا الجسم، بينما يبقى الفكر الحي ـ حسب منطق ابن تيمية ـ حراً سائحاً في فضاء المعرفة حيث لا جدار سجن، ولا باب سجان، يقدران على منع الانسان من ممارسة سياحته العقلية بين رياض العلم يقطف من ازهارها ما يشاء، وينثرها في المكان الذي يقيم فيه، فتمتلأ نفسه ثقة بأن الفكر الموصول بالمباديء، والمدافع عن الحقوق يظل الحصن الأمنع الذي لا يقدر على اختراقه متطفل او شيطان!! ومن سجل الحياة الحافل بانجازات الانسان في ميدان استرداد الحرية المفقودة، تطالعك في القديم «عقود المكاتبة» تلك التي كانت تحرر بين السيد والعبد، بناء على طلب الاخير استرداد حريته مقابل مبلغ من المال يقدمه لسيده، فاذا ما دفع المبلغ الذي تم الاتفاق عليه، ونال حريته من جديد انطلق الى الحياة وهو يشعر بسعادة لم يذق مثلها من قبل!! كما تطالعك في الماضي والحاضر صور متتابعة لسيدات شربن من كأس ظلم الازواج حتى لم يعد بهن قدرة على شرب المزيد، فاخترن الخلع، ودفعن راضيات ثمن حريتهن التي سلبت في ظل حياة زوجية لم تكن كريمة او عادلة!! كما تشهد كل يوم قرارات نهائية لأفراد شتى آثروا تقديم الاستقالة من العمل الذي قضوا فيه شطرا من الزمن، بعد ان وجدوا ان هناك حَجْرا يمارس ضد عقولهم نتيجة لوجود قوانين وظيفية جائرة لا تحترم حق الانسان في التفكير والابداع، او نتيجة لوجود ادارة مركزية مهترئة تجيد النظر خلفها، وتجتر نجاحات قديمة، وتأبى ان تعطي مساحة من الاهمية لأفكار شابة لا تملك ادوات قراءاتها، او فهم ابعادها!! وعلى نطاق الشعوب كم من ملايين قدمت نفسها قربانا للحرية، وبذلت روحها فدى ليوم واحد تعيشه في زمن كريم لا يهان فيه الحر ولا تطؤه الاقدام زمنا يعيش فيه حياته وفق اختياره لا وفق مشيئة الغاصبين الغزاة. وحتى لا نذهب بعيدا في طلب الامثال فهذه فلسطين العزيزة جرت من اجل العيش الكريم في ارضها انهار من الدم الزكي فدى للحرية المفقودة، والامل المنتظر. ولقد اختلفت التجارب البشرية الباحثة عن انواع شتى من الحرية لكنهم جميعاً اتفقوا على ان الحرية اثمن من ان تخضع للمساومة، او المقايضة او الاستبدال. ولقد قدمت تلك التجارب الرائعة رسالة مباشرة الى المتسلطين في كل زمان ومكان، مفادها: «من الصعب جداً ان تمارس حجراً على عقل حرّ او على إرادته، انك حين تفعل ذلك تكون قد ركبت مركبا صعباً عاقبته لن تكون الا عليك!!