الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 في كل الاعمال الدرامية التي حاولت ان تقدم التاريخ العربي الاسلامي من خلال تسليط الاضواء على شخصيات بعينها او احداث ذات آثار خطيرة، دائما ما يلفت نظري ان هذه الاعمال تطرح التاريخ من خلال حركة الحاكم او السلطان، ومن خلال بوابات القصور وبلاطات الحكم، ومن خلال مسيرة العلاقات والاحداث التي تكون فيها السلطة في بؤرة الحدث دائما، فهي التي تصنعه وتطوره وتعطيه شرعيته وأهميته. هذا ما يحدث دائما ونحن نتابع المعالجات الدرامية من خلال الافلام والمسلسلات التي تتعرض للتاريخ والاحداث الاسلامية العربية دون ان نعرف شيئا ولو يسيرا عن طبيعة الحياة والمجتمع والناس وثنائيات العلائق والارتباطات خارج أسوار القصور وسيرورة الزمن المقبوض عليه بين أصابع السلطة المتمثلة في الخليفة او الامير او السلطان، ما يدفع لسؤال غاية في الاهمية: من صنع تاريخنا العربي الاسلامي؟ أهي القلة القابضة على زمام الامور أم الكثرة المستلبة؟ وذات السؤال ينسحب على الحاضر باعتباره سيكون تاريخ المستقبل. وبكل بساطة اجاب البعض عن السؤال بأن التاريخ وكل الاحداث يصنعها الكثرة كما يصنعها القلة، فهناك من يشعل الفتيل وهناك من يحرك الجموع وهناك جموع تصنع الاحداث والانتصارات والثورات، لكن البديهي في مسيرة التاريخ انه لا يكتب بأقلام البسطاء، ان المؤرخين الذين يكتبون التاريخ لم يكونوا في اغلبهم سوى موظفين ومستشارين لدى الزعماء والسادة والسلاطين، ومن هنا أتت اشكالية كتابة التاريخ عبر بوابات قصور الحكم وعواصم الامارة في التاريخ الاسلامي العربي! هناك كثرة دائما ما تتيح الفرصة لزعيم او امير او سلطان بأن يبرز وبأن يمسك بمقاليد الامور، وهناك لحظة تهييء لهذا الزعيم ان يخرج وان يبرز دون غيره، وليس شرطا ان يكون هو الافضل، فقد يكون الاسوأ، لكنه دائما ما يكون الاقوى (والقوة قد تكون كامنة فيه او في ضعف الظرف المحيط به!) في تاريخنا حكام وامراء وسلاطين كانوا سببا في انتكاسات الامة وضياعها، ومع ذلك فقد وصلوا وحكموا وساقوا الشعوب نحو الهاوية، وللاسف فقد تمكنوا من كتابة التاريخ لصالحهم فلماذا؟ فقط لانهم امتلكوا القوة، ولان الشعوب مكنتهم من ذلك. وفي ايامنا حكام مكنتهم شعوبهم من ان يصلوا وان يستمروا وان يواصلوا طغيانهم وقبضتهم على رقاب الشعوب، فصارت الشعوب وكأنها بلا قيمة، او كأنهم ظلال يتحركون في خلفية المشهد الضخم والموكب الفخم الذي يسير فيه السيد الرئيس حيث لا صوت يعلو على صوته، ولا قرار يعلو على قراره، حتى لو كان قراره ان يقود بلدا عظيما وشعبا عريقا نحو الهاوية، وذات يوم سيكتب التاريخ من وجهة نظره وكأن هذا الشعب لم يكن موجودا، وهو بالفعل لم يكن موجودا، طالما ألغى كل ارادته ووضع اقداره ووجوده في قبضة حاكم طاغية كغيره من الذين عبروا تاريخنا وصنعوا هزائمنا وما زالوا.