الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 يقول عنها المعلقون الغربيون انها «قنبلة زمنية بدأت دقاتها بالفعل». انها قضية مصير السيطرة اليهودية على الدولة الاسرائيلية اذا اختل التوازن السكاني لصالح غير اليهود المقيمين في الدولة.. او بكلمات اخرى انها من المنظور اليهودي مسألة كيف يمكن المحافظة على «النقاء العرقي» للدولة اليهودية وكيفية الحيلولة دون تحول اسرائيل إلى دولة يسيطر عليها غير اليهود! القضية وثيقة الصلة بمصير الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. فاذا قررت اسرائيل بصورة نهائية لا رجعة عنها منع قيام دولة للفلسطينيين على الاراضي المحتلة، فإن ذلك سيعني ضم الضفة الغربية لنهر الاردن (وربما غزة ايضا) إلى الدولة الاسرائيلية، مما يعني ايضاً اضافة ثلاثة ملايين فلسطيني إلى اسرائيل. اذا حدث هذا فسوف ينشأ وضع جديد تماما، فسوف يكون من حق هؤلاء الثلاثة ملايين فلسطيني المطالبة بالمواطنة الاسرائيلية بما في ذلك حق التصويت والحريات الاساسية بما في ذلك حرية التنقل والاقامة.. وهذا بدوره سوف يعني عمليا ان الفرصة سوف تكون مفتوحة امام هؤلاء الفلسطينيين لاختيار الاقامة في مواطنهم السابقة التي طردوا منها عام 1948 ـ حيفا ويافا مثلا. هذه المشكلة لم تبرز بعد بشكل الحاحي، ولكن كما يقول جوناثان كوك الصحفي الاميركي الخبير بشئون الشرق الاوسط، فإن دقات القنبلة الزمنية بدأت بالفعل. عدد اليهود في الدولة الاسرائيلية يبلغ خمسة ملايين. ولكن يشاطرهم العيش داخل الدولة مليون فلسطيني ممن يطلق عليهم «عرب اسرائيل 48» كمواطنين اسرائيليين، بالاضافة إلى 300 الف من المهاجرين غير اليهود من الاتحاد السوفييتي والذين قدموا في معية زوجات او ازواج من اليهود. وهناك ايضاً عدد مماثل من العاملين الوافدين القادمين من بلدان العالم الثالث. ومما يخشاه يهود اسرائيل ان سيطرتهم على الدولة باتت مهددة، من ناحية بمعدلات الولادة العالية بين «عرب اسرائيل»، ومن ناحية اخرى بالتزاوج بين اليهود وغير اليهود من المهاجرين والعاملين الوافدين. هذه المجموعات الثلاث «عرب اسرائيل» والمهاجرون من الاتحاد السوفييتي السابق والعمال الوافدون ـ باتت الآن هدف هجوم مركز من عدة احزاب اسرائيلية مع اقتراب موعد الانتخابات العامة خلال اسابيع. في مقدمة هذه الاحزاب حزب «شاس» اشد الاحزاب الدينية تطرفا واكبرها، واحزاب يمينية مثل «موليديت» و«الحزب الديني القومي» و«اسرائيل بيتنا». يضاف إلى ذلك بالطبع «الليكود» حزب شارون اليميني. حزب «موليديت» يرفع شعار «الترحيل».. وهي عبارة مهذبة ظاهريا تعني ليس فقط اقصاء الفلسطينيين من ارضهم المحتلة، بل ايضا اقصاء «عرب 48» من اسرائيل. وبينما يتحدث قادة «موليديت» عن كيفية الشقاء والبؤس بين الفلسطينيين إلى ان يضطروا إلى المغادرة طوعيا، فإن رفاقه في الكتلة الدينية القومية بزعامة افيغدور ليبرمان يفضلون استخدام تعبيرات اكثر تضليلا مثل «اعادة توطين» الفلسطينيين في دول عربية مجاورة. اما المهاجرون القادمون من الاتحاد السوفييتي السابق فانهم ظلوا معرضين للمضايقات منذ وصولهم خلال عقد التسعينيات فوزارة الداخلية الاسرائيلية تخوض معركة قانونية ضدهم في المحاكم لمنعهم من الحصول على بطاقات اثبات الشخصية التي تجعلهم في نظر القانون الاسرائيلي مواطنين يهوداً. العمال الوافدون في بلدان العالم الثالث لا يملكون حق التصويت. وقد انشأت حكومة شارون ادارة للهجرة تحت اشراف الشرطة من اجل ابعاد الآلاف منهم خارج اسرائيل. وهنا نصادف مفارقة. فهؤلاء العمال جرى استقدامهم بواسطة مقاولين وفقا لتراخيص حكومية حصلوا عليها بتوجيهات من رئيس الوزراء شارون نفسه في اطار حملته الانتخابية! وبايجاز فان على اسرائيل ان تقرر عند نهاية المطاف هويتها المستقبلية: هل هي دولة يهودية ام دولة ديمقراطية؟ ولن تستطيع ان تقرر بين هذين الخيارين المصيريين الا اذا قررت اولا ما اذا كانت تريد وضع نهاية حقيقية لاحتلال الاراضي الفلسطينية او ضمها مع سكانها الفلسطينيين إلى اسرائيل. انهاء الاحتلال بصورة حقيقية يعني قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة جنبا إلى جنب مع الدولة الاسرائيلية. اما اذا قررت اسرائيل ضم الاراضي الفلسطينية فانها سوف تواجه مشكلة جديدة: هل يمنح الفلسطينيون من الضفة الغربية حق المواطنة الكاملة بما في ذلك حق التصويت فيفقد اليهود السيطرة الكاملة على الدولة؟ ام يحرمون من حق المواطنة فتفقد اسرائيل هويتها الديمقراطية التي تستخدمها كورقة تاريخية حاسمة للمحافظة على تأييد الغرب لبقائها؟!