الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 دأب الكثير من المحللين والمراقبين، منذ تولي شارون سدة رئاسة وزراء إسرائيل وحتى هذه اللحظة، إلى التبشير تارة والتهويل تارة أخرى، عن قدرته على الخروج من مستنقع الأزمات الداخلية التي يعيشها. بل أكثر من ذلك ذهب هذا البعض، خاصة حاشيته، إلى كيل المدائح لأعماله الجهنمية باعتبارها الحل الكفيل للخروج بإسرائيل من أزماتها الحادة التي تعيشها جراء استمرار الانتفاضة ـ المقاومة. فمنهم من رأى فيه المخلص الجديد، ومنهم من أطلق عليه تسمية ضمير البناة الأوائل إلى آخر تلك الكلمات التي تحمل عبارات المديح تلو المديح. لكن الواقع الشاروني المعاش، على ما يبدو، لم تجبه عبارات المديح والشعارات العنصرية التي يطلقها هؤلاء في الإعلام الإسرائيلي على تنوعه بين الفينة والأخرى، انطلاقاً من قيم التطرف والعنصرية التي يدغدغها شارون من خلال خططه الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني المحاصر، بأعتى أسلحة القتل والتدمير المنظم. بعيداً عن المقدمات الطويلة والتشخيص المتكرر، فقد وضع كثيرون اليد على الجرح الإسرائيلي النازف، بسبب جملة الأزمات المركبة نتيجة الصراع الدامي والمستمر مع الشعب الفلسطيني، وقد أصبحت هذه الأزمات جزءاً من التركيبة البنيوية الإسرائيلية، وقد زادت بشكل أكبر بعد أن استنجد شارون وحكومته بكل قواميس القتل والإرهاب، لكنها منيت بالفشل الذريع؛ لترتد هذه الأساليب إلى الواقع الإسرائيلي المعاش بكل ما تعنيه الكلمة من معنى على كل مناحي الحياة. السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فعلى الصعيد السياسي الداخلي، بدأ تحالف شارون الذي بناه بالتهاوي بصيحة عنصرية، ليس بسبب خروج حزب العمل كما يرى البعض، بل بسبب فشل سياسته التي اتبعها ضد الفلسطينيين، فبدلاً من إزاحة العصابة من وجهة نظره (السلطة الفلسطينية)، عاود الكرة مرة أخرى للبحث عن محاور فلسطيني، مبشراً للخلاص الأمني والسياسي الإسرائيلي. حتى المفاوضات التي جرت بين شيمون بيريز وبن اليعازر، كان شارون يشرف على كل تفاصيلها، بل أكثر من ذلك استخدم مدير مكتبه (دوف فايشعلس) كمفاوض من وراء الستارة مع وزير المالية الفلسطيني (سالم فياض) أكثر من مرة، بهدف الخروج من مستنقع الأزمات التي يعيشها، والتي كانت تحمل الكثير من الرشاوى سعياً للتوصل إلى حلول سياسية مؤقتة، علها تخرجه شيء ما، من تلك الأزمات الداخلية. وليس سراً يذاع، أن الكثير من وسائل الإعلام الإسرائيلية، بما فيها الأكثر تطرفاً، حاولت فضح هذه اللقاءات، التي طرحت من خلالها على الجانب الفلسطيني صرف الشيك الثاني من الأموال الفلسطينية المجمدة، حتى مفاوضات رئيس جهاز الأمن العام (أفي ديختر) مع الفلسطينيين، كان يرفع تقاريره مباشرة إلى شارون وليس إلى وزرائه، هذا اللعب في الخفاء كان بسبب الغرق في مستنقع الأزمات وليس بهدف التوصل مع الفلسطينيين إلى حلول سياسية أو أمنية من شأنها أن تعيد طاولة التفاوض إلى سابق عهدها كما يشيع البعض. أي أن هذه الأزمات دفعت الجهاز السياسي الإسرائيلي، بما في ذلك شارون وأقطاب الليكود، إلى الدخول بديناميكية الانتخابات المبكرة، التي بدورها تسرع الميل نحو التهدئة ما أمكن. والذي لم يكن انسحاب حزب العمل من حكومة شارون، وتركه يغرق فيها، إلا نتيجة للأزمات الحادة التي باتت عصية على الحل طالما بقي الأمر على حاله، عند كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. أما ما يخص الواقع الاقتصادي، فقد بدأ شارون الذي كرس موارد إسرائيل المالية من أجل الصراع مع الفلسطينيين والسلطة المحاصرة، تأخذ الاقتصاد الإسرائيلي، حسب قول الصحف الإسرائيلية، نحو الهاوية. فقد اعترف شارون في خطاب ألقاه في كلية الأمن الوطني ـ وهو الذي نفى لزمن طويل العلاقة بين الحرب والاقتصاد ـ أنه من أجل النمو وإيجاد أماكن عمل علينا إعادة الأمن والهدوء ومباشرة عملية سياسية حقيقية. وقال كبار مسئولي المالية لشارون: إنه لن يكون بوسع الاقتصاد الإسرائيلي النهوض بعام آخر من الانكماش، وإنه قد حان الوقت لوضع الاقتصاد في المكان الحاسم في عملية اتخاذ القرار. بمعنى أدق، أن شارون بسياسته المتبعة، قد بدأ يفقد التفاف تحالفه يساراً ويميناً، فاليسار بعد انسحاب حزب العمل من حكومة شارون الائتلافية الموسعة، بدأ يحشد كل ما لديه من قوى، بهدف تحميله نتيجة سياساته، التي لم تقدم للإسرائيليين سوى المزيد من خيبات الأمل. أما اليمين فقد بدأ يرى شارون، رجلاً مراوغاً بعد أن تكشفت جملة الاتصالات التي أجراها مع أقطاب السلطة الفلسطينية، وأنه خان المواثيق والعهود التي قطعها على نفسه عشية تشكيل حكومته، والتي وعدت بطرد السلطة الفلسطينية، وتحقيق الأمن والاستقرار داخل إسرائيل والخروج بها من أزماتها المركبة. دون أن نغفل أن شارون، بات يعيش أسوأ أيامه خاصة بعد أن اضطر مكرها بتكليف بنيامين نتانياهو بحقيبة وزارة الخارجية، ليبدأ الثاني بتأهيل نفسه مرة أخرى من خلال موقعه السياسي السلطوي، بهدف استغلاله في انتخابات الليكود الداخلية المقبلة. حتى سياسة هدم البيوت، لم تشفع لشارون، بحيث قال عنها البعض، حتى الليكودي، بأنها ليست امتيازاً جديداً، فمنذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، يستخدم الجيش الاسرائيلي هذه الوسيلة الرهيبة من أجل ردع المقاومين الفلسطينيين حتى ذهب بعضهم باتهام شارون ومعه الجموع المؤيدة لهذه السياسة، بالقول: «ان هذا الشعب موهوب بذاكرة ضعيفة. فهدم البيوت لم يمنع الانتفاضة الاولى ولا الثانية ولا حتى الاعتداءات الإجرامية التي حدثت بينهما. وربما أن الفلسطينيين ما زالوا لا يعرفون التمييز بين هدم البيوت التي ترمي للردع، والهدم الذي يرمي للعقاب». حتى وحدة القدس الذي تشدقت بها حكومة شارون، قد ولت من غير رجعة، خاصة بعد عملية القدس الأخيرة، التي جاءت لتقول بأن القدس ليست بمنأى عن اليد الطولى للفلسطينيين، وأن القدس الشرقية لا تزال بأبنائها تتميز عن توأمها القدس الغربية، رغم كل الشروط السياسية والأمنية المفروضة عليها. بأكثر وضوحاً، ان ما كانت السلطات الإسرائيلية تراهن عليه لجهة خرط أبناء القدس الشرقية في نسيج العمل داخلها، منيت بالفشل الذريع، خاصة بعد أن اتضحت معالم الصورة على حقيقتها في حفاظهم على مكانتهم كفلسطينيين أصحاب هوية وطنية متبلورة. وقد قال في هذا الشأن الصحفي (دانيئيل بن سيمون) الكاتب في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، ان الانتفاضة أدت إلى تدهور العلاقات للدرك الأسفل، وهو الأمر الذي لم تشهد القدس له مثيلاً منذ عام 1967. بينما يقول الباحث في شئون القدس، الدكتور (مناحيم كلاين): إنه تلاشى خلال السنة الأخيرة الفرق بين الفلسطينيين من سكان غزة وفلسطينيين من سكان القدس. فهؤلاء وأولئك يظهرون بضوء مماثل في نظر جهات الأمن الإسرائيلية. وأضاف كلاين: «كان واضحاً أننا سنكتشف ذات يوم أن الفلسطينيين في القدس قد انضموا إلى الانتفاضة. وبذلك يكون قد انهار مفهوم المدينة الموحدة، وهو ما تم فعلاً هذه الأيام من دون لبس أو مواربة . بالإضافة إلى كل ذلك، تبرز المشكلات الأمنية والاقتصادية في حياة المستوطنين في الضفة وغزة، والتي لم توفر، قوات الاحتلال رغم كل الإجراءات الأمنية والاحترازية، الحماية لهم، وبدأت الكثير من الأصوات تتهم شارون وجيشه وأمنه بالعجز تارة وبالتقصير تارة في توفير طوق الأمان لهم، بل بدأ البعض يتهم شارون بعجزه عن المساهمة في ترحيلهم إلى داخل الخط الأخضر بحجة توفير الأمن الشخصي والمعاشي لهم، وهذه القضية تعتبر من القضايا الكبرى التي لا تقل عن غيرها. وتشكل إحدى أهم الأزمات التي تعيشها حكومة شارون والتي عجزت كل الحكومات السابقة عن توفير الأمن والاستقرار لهم. يبقى السؤال، أي السبل والآليات، التي من شأنها أن تخرج شارون من شرك الأزمات التي يعيشها؟!! ـ كاتب فلسطيني