الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 ليس دفاعاً عن موقف ايران الخاص حول شكل التعامل مع الملف العراقي، ولا عن سياستها الخارجية والتي فيها ومن حولها الكثير مما يستحق النقد والتعديل والتجريح، ولكن من باب شرح خصوصية الموقف الايراني فيما يخص العدوان المتوقع على العراق اقول: الحاكمون الفعليون لايران ومنذ ان قامت وانتصرت ثورتهم في العام 1979 الزموا انفسهم بثلاث مقولات اساسية كانت السبب في قيامهم ضد العهد البائد وهي: مقاومة الاستعمار المتمثل بالشيطان الاكبر الاميركي ومقاومة الاستبداد المتمثل في حكم طاغية العهد الشاهنشاهي ومقاومة فكرة التبعية لغير المصالح الوطنية العليا للشعب الايراني. وقد جاء عنوان النظام السياسي الذي تبلور عقب انتصار الثورة ليمثل خلاصة مكثفة لتلك المقولات الثلاث وذلك في اسم البلاد الجديد اي: «الجمهورية الاسلامية الايرانية». الآن وفي ظل ما يجري حول العراق وما يعد لهذه المنطقة من العالم من مخططات هيمنة واستعمارية وكوارث وحروب فإن ايران التي نحن بصدد تقييم موقفها تجاه الخطوة الاولى لما يجري الاعداد له تجد نفسها في الواقع امام مثلث اختبار جديد يتعلق بأحد جيرانها المقربين والذي تربطها به علاقات تاريخية متشابكة مثيرة لكل انواع الجدل كما لكل انواع التحفظات، وهو العراق، واضلاع هذا المثلث هي: مستقبل «النفوذ الاميركي» في المنطقة ومدى نفوذها ومستقبل النظام العراقي والذي تقول واشنطن انه الخطر الاكثر الحاحاً ويجب ازالته أولاً والضلع الثالث وهو الأهم مستقبل الشعب العراقي كياناً ووطناً ومقدرات. ولما كانت طهران شاهدة على جرحين لاتزال آثارهما لم تندمل بعد، الأول بسبب التدخل الاميركي المفتوح على ايران منذ اسقاط حكومة محمد مصدق الوطنية العام 1953م والذي لم يتم تسوية تداعياته حتى اللحظة التاريخية الراهنة، والثاني وهو سبب الحرب المجنونة والعبثية التي فتحها النظام العراقي ضدها ودامت نحو ثماني سنوات والتي لم يتم تسوية تداعياته حتى اليوم ايضا، وجرح ثالث لا يقل اهمية وخطورة لمست طهران بعض تمظهراته على حدودها وفي داخل احشائها من خلال معاناة الملايين من الشعب العراقي من الحرب وما قبلها وما بعدها والمرشح ان تشهده ايران ومعها العالم كله مع اندلاع الحرب المرتقبة على العراق فإن طهران النظام الاسلامي بحكامه الراهنين تجد نفسها في احرج اوقاتها واشدها حيرة وتلكؤاً، وذلك للاسباب التالية: أولا: انها لا تريد وان ارادت لا تستطيع ان تبرر اي مواكبة للهجوم الاميركي على العراق وذلك لان الاميركي مخادع ومحتال فهو يريد العراق كله ولا يريد رأس صدام حسين فقط ناهيك عن انه يريد مقدرات المنطقة كلها. ثانياً: انها لا تريد وان أرادت لا تستطيع ان تبرر خوض اي مغامرة غير محسوبة لنظام اوغل عميقاً في جراح الايرانيين ولم يبق من هو قادر على الدفاع عنه، ولا احد يعرف في العالم كله متى يتراجع ومتى يتقدم ومتى يساوم. ثالثا: انها لا تريد وان ارادت لا تستطيع ان تبرر لا لشعبها ولا لشعب العراق ولا للتاريخ بأن تقف مكتوفة الايدي امام ما يقال بأن لحظة خلاص الشعب العراقي قد حانت أو تكاد سواء على يد معارضته! أو الاجنبي! أو الحاكم الفعلي! فهي تشعر أولاً بالواجب الذي عليها تجاه هذا الشعب الشقيق مبدئياً وبالدين الذي عليها تجاه هذا الشعب اخلاقياً وبالتكليف والمسئولية التي عليها تجاه هذا الشعب عرفياً. وهنا بالذات يظهر اضطراب الموقف الايراني وتمايزه عن غيره من المواقف الاقليمية والدولية واختلافه تماماً فطهران لا تستطيع مثل سائر عواصم العالم ان تبرر بسهولة مما ألزمت به نفسها أولاً وما جرى عليها أو لها من جانب اضلاع مثلث الأزمة العراقية أي اميركا والنظام العراقي والشعب العراقي. لذلك كله تراها تقول مرة بأنها ضد العدوان على العراق وهي تقصد بأنها لا تريد الاذى لكيان العراق كياناً ووطناً وشعباً، وتقول مرة بأنها تقف على الحياد وتقصد بأنها على الحياد بين جورج بوش وصدام حسين، ومرة ثالثة تقول بأنها تتخذ موقف الحياد الايجابي تجاه ملف العراق وتقصد به بأنه اذا ما جرح «الشيطان الاكبر» وبدأ ينزف فإنها لاشك لن تألوا جهداً في رؤيته ينزف اكثر حتى يعجل في رحيله من المنطقة حتى لو جاء ذلك على يد خصومها، اما اذا ما جرح وبدأ يتهاوى النظام العراقي فإنها لن تذرف الدموع عليه لكنها ستعمل كل جهدها بألا ينعكس ذلك بالسوء على شعب العراق واذا ما طال امد المعارك وانتقلت تداعياتها الى خارج حدود العراق فإنها لن تقف مكتوفة الايدي تتفرج بل ستدخل على الخط مدافعة عن مصالحها العليا أولاً ومصالح جيرانها شعوباً في المرحلة الاولى وانظمة في المرحلة الثانية وعن هذا أو ذاك من حلفائها أو اطراف المعادلة الاقليمية أو الدولية المتداخلين في الشأن العراقي ايجاباً في المرحلة الثالثة، اي باختصار شديد: ستكون في حال اندلاع المعارك اشبه بموقف «كل يوم هي في حال». هذا الافق غير المنظور لميدان النزاع حول مستقبل العراق والذي ساهمت حكومة النظام العراقي في تدويله أولاً وكرسته المعارضة العراقية العاجزة والمريضة بالاجمال ثانياً وتلقفته الادارة الاميركية بعد حوادث 11 سبتمبر ثالثا هو الذي جعل طهران غير قادرة على اتخاذ موقف واضح وعلني ونهائي لصالح احد طرفي الاستقطاب الظاهري المبرز على شاشة المشهد الدولي اليوم، خاصة وانها تعتبر هذا الاستقطاب نوعاً من الحيلة والخداع الذي يحاول الطرفان اي الادارة الاميركية ونظام بغداد فرضه على العالم من جهة كما ان المعارضة العراقية لم تتمكن من طرح نفسها طرفاً ثالثاً مستقلاً يمكن ان يحسب له العالم المحيط بالعراق حساباً يذكر. اذن اميركا غير راضية ونظام بغداد كذلك وايضا المعارضة العراقية التي تعيش مرحلة انعدام الوزن في الفعل ورد الفعل المؤثر، يبقى الشعب العراقي وهو الطرف الاكثر تضرراً من كل ما يجري حول بلاده فإنه لا أحد يعرف موقفه الواضح تجاه الاطراف الاقليمية والدولية، إلا اللهم ان يظهر ما يثبت عكس ذلك في ساحة الوغى وعندها سيكون ايضا لكل حادث حديث والله اعلم بما تخفيه الأيام. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني