الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 حدثان بارزان سجلا في الآونة الأخيرة، تفصل بينهما ثلاثة اسابيع فقط: توسيع الاتحاد الأوروبي بضم عشر دول جديدة إليه، ليرتفع عدد الدول المنضوية تحت لوائه إلى خمس وعشرين دولة، وتوسيع حلف شمال الاطلسي (ناتو) بضم سبع دول جديدة إليه، فيصبح عدد اعضائه ستا وعشرين دولة. وهناك المزيد من الأسماء على اللائحة المستقبلية لكل منهما. ومن خلال استعراض اسماء الدول التي تشملها عملية التوسع، لدى الهيئتين يتبين ان معظم الاسماء تتكرر، هنا وهناك، بحيث يبدو وكأن ثمة تنافساً بين الهيئتين على اجتذاب الاعضاء الجدد، مع ان مهمة وأهداف كل منهما تختلف او تتناقض مع الاخرى. فالأول يهدف الى توسيع الفضاء الأوروبي وجعله اكثر ترابطاً وانسجاماً وتوحداً: اقتصادياً بالدرجة الأولى، وثقافيا واجتماعيا وسياسياً. اما الجانب الدفاعي فلم يتحول بعد الى اولوية ضمن اهتمامات الدول الأوروبية برغم الاتفاق الذي تم بينها قبل سنتين لتشكيل قوة أوروبية مشتركة للتدخل السريع يصل تعدادها الى ستين الف جندي. ولعل هذه الخطوة المتأخرة، التي لم توضع موضع التنفيذ الفعلي حتى الآن، جاءت استجابة لرغبة عدد من الدول الأوروبية، لاسيما فرنسا، في اعتماد سياسة دفاعية أوروبية مشتركة، وذلك بهدف امتلاك القدرة على التصرف والتدخل والحسم، في الازمات والاحداث الاقليمية على الاقل، بعيداً عن مظلة حلف شمال الاطلسي والنفوذ الأميركي. ولقد كشفت احداث البلقان، لاسيما حرب كوسوفو عام 1999، عن عجز اوروبي كامل في المجال العسكري. وكان من نتيجة ذلك ان اخطرت أوروبا إلى السير خلف الولايات المتحدة في مختلف مراحل الازمة مما اظهرها وكأنها مجرد تابع لواشنطن ولا تمكن من الأمر شيئاً، برغم ان حل مشكلة كوسوفو يقع ضمن مسئولياتها بالدرجة الأولى، كما تنعكس نتائج الصراح البلقاني عليها في صورة خاصة. وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة لا تخشى منافستها عسكرياً من قبل الاتحاد الأوروبي، إلا انها لا تنظر بارتياح الى اي محاولة أوروبية هدفها تحقيق استقلال أوروبي عسكري. وكان مسئولون اميركيون اعربوا ـ في حينه ـ عن تأييد متحفظ للتوجه الأوروبي، اي بشرط ان يبقى في اطار حلف شمال الاطلسي. وفي هذا المجال قال وزير الدفاع في الادارة الأميركية السابقة وليام كوهين «دعمنا مشروط بأن يغوص الاعضاء الأوروبيون في حلف شمال الاطلسي في الحديث عن الأمن الأوروبي والهوية الدفاعية، لشراء انظمة (عسكرية) لا تتلاءم مع مبادرة القدرات الدفاعية». وعلى اي حال فقد ظل الشأن الاقتصادي هو الاساس في الاهتمامات الأوروبية. يؤكد ذلك اتخاذ المزيد من الخطوات الاقتصادية المشتركة، ابرزها اعتماد عملة أوروبية موحدة (اليورو)، والعمل على توحيد التشريعات المالية والقانونية والادارية، واتخاذ سياسات مشتركة بالنسبة لبرامج التنمية الخاصة بالبلدان المتوسطية في اطار ما يعرف بـ «مسار برشلونة» وعلى اساس شراكة اقتصادية مستقبلية واعدة. استراتيجية مختلفة وفيما يتعلق بحلف شمال الاطلسي فان له استراتيجية مختلفة، أو من المفترض ان يكون كذلك. فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، بدأ الكثيرون يتساءلون عن مصير حلف الاطلسي بعدما فقد المبرر الاساسي لوجوده وهو الدفاع عن أوروبا الغربية في مواجهة الاخطار التي تشكلها القوة العسكرية السوفييتية. فهذا الحلف الذي تشكل عام 1949 من اثنتي عشرة دولة هي: الولايات المتحدة، كندا، بلجيكا، بريطانيا، الدنمارك، فرنسا، ايسلندا، ايطاليا، لوكسمبورغ، هولندا، النرويج والبرتغال، ثم توسع لاحقاً ليضم اليونان وتركيا (عام 1952)، وألمانيا الاتحادية (عام 1955)، واسبانيا (عام 1982)، كانت مهمته عسكرية فقط، ومرتبطة بظروف الصراع الدولي المحكوم بنظام القطبين: الشيوعية من جهة، والرأسمالية الغربية من جهة اخرى. وحيال ذلك كان من الطبيعي ان يكون لكل طرف أداته العسكرية الضاربة: حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي في الجانب الأول، وحلف شمال الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة في الجانب الثاني. منذ مطلع التسعينيات لم تعد هذه المواجهة قائمة بعد سقوط احد طرفيها. وفي هذا الوضع الدولي الجديد بدت التساؤلات المطروحة حول مستقبل المنظومة العسكرية الاطلسية، مشروعة تماماً. فأوروبا الموحدة اصبحت تواقة للتحرر من الهيمنة الأميركية التي كان حلف الاطلسي إحدى وسائلها المباشرة، حيث مازالت قوات أميركية ضاربة ترابط في أراضي العديد من الدول الأوروبية. ولقد كانت فرنسا الأكثر تعبيراً عن هذه الرغبة، بعدما كان الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول تحدث بصراحة عما وصفه بـ «الهيمنة الأميركية»، ثم اخذت السياسات الفرنسية في العهود اللاحقة تعكس هذه التوجهات وتعمل على ترجمتها إلى خطوات عملية. إلا ان حروب البلقان والدور الأميركي ـ الاطلسي المحوري فيها، أدت الى محاصرة التساؤلات المتعلقة بدور حلف الاطلسي المستقبلي، وبإمكانية تفكيكة على غرار ما حدث بالنسبة كعدوه حلف وارسو. توسع.. بدلا من التقليص ولم يقتصر الأمر على ذلك. بل ان الولايات المتحدة، التي كانت دائما تتجاهل التلميحات والاشارات المتعلقة بتقليص وجود الاطلسي وبنفوذها هي داخل القارة الأوروبية، اتبعت سياسة معاكسة تماما. فقد عمدت الى وضع خطة جديدة تقضي بتوسيع حلف شمال الاطلسي، بدلا من تقليصه، وذلك بضم عدد من دول أوروبا الشرقية إليه، بعدما كانت هذه الدول جزءاً من المنظومة الاشتراكية ومن حلف وارسو. وفي عام 1999 انضمت كل من تشيكيا والمجر وبولندا الى الحلف. ثم جرى وضع برنامج واسع يقضي بتأهيل عدة دول اخرى لضمها الى الحلف، وهو ما تم الاعلان عن تنفيذه في قمة براغ الاطلسية الأخيرة، وذلك بقبول عضوية سبع دول جديدة هي: رومانيا، بلغاريا، سلوفينيا، سلوفاكيا، ودول البلطيق الثلاث: ليتوانيا، لاتفيا، استونيا. ووفقا للبيان الصادر عن قمة براغ سيتم توقيع اتفاقية انضمام الدول السبع المذكورة الى الحلف في مارس 2003، بينما يجري التصديق الكامل على وثائق الانضمام في مايو 2004. وبذلك تصبح هذه الدول كاملة العضوية في الحلف. على ان خطط حلف الاطلسي التوسعية ستظل مفتوحة لضم المزيد من الدول بعد استيفائها شروط الانضمام، ومنها مقدونيا والبانيا، وربما كرواتيا ايضاً. ومن الملاحظ ان القدرات العسكرية للدول السبع التي انضمت حديثاً الى حلف شمال الاطلسي محدودة جداً، خاصة دول البلطيق الثلاث: ليتوانيا ولاتفيا واستونيا، وكذلك سلوفينيا. اما الدول الثلاث الاخرى وهي رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا فان امكاناتها العسكرية متوسطة، بالقياس الى امكانات الدول الاخرى. وهذا يدل على ان الفائدة التي يتوخاها حلف الاطلسي من انضمام هذه الدول إليه ليست عسكرية بل جغرافية وسياسية، كونها تقع داخل الاتحاد الأوروبي من جهة، وعلى الحدود المباشرة لروسيا من جهة اخرى. وبقدر ما تبدو موسكو منزعجة من هذا التوسع الاطلسي الذي يلامس حدودها الغربية، وخاصة بالنسبة لدول البلطيق الثلاث، فإن الاتحاد الأوروبي لا يقل انزعاجاً عنها لأنه يجد في كل ذلك مزيداً من تمدد النفوذ السياسي الأميركي داخل اوروبا، خصوصا في مرحلة ما بعد احداث 11 سبتمبر 2001 حيث تحاول الولايات المتحدة ان تجعل من العالم كله ساحة مفتوحة امامها تتحرك فيها كما تشاء، سياسياً وعسكرياً وامنيا، وعبر كل الوسائل المتاحة، في ظل شعار مكافحة الإرهاب. تناقض واضح ولم يعد التناقض الأوروبي الأميركي خافيا لا بالنسبة لكيفية مواجهة الإرهاب، ولا حتى في شأن تحديد مفهوم الارهاب، وهو ما يجعل الاتفاق على مهام أمنية محددة لحلف الاطلسي في العالم امرا عسيراً. ولقد ظهر التناقض الأميركي ـ الأوروبي بوضوح في قمة براغ الاخيرة (21 نوفمبر الماضي)، حيث حاول الرئيس الأميركي جورج بوش انتزاع مواقف سياسية من الدول المشاركة مؤيدة لسياسات ادارته المتعلقة بموضوع الغزو المحتمل للعراق وبدور حلف الاطلسي في دعم هذه السياسات، بما يجعل الملف جزءاً من الاستراتيجية الأميركية ومنفذا لها. مقابل ذلك اعربت فرنسا عن رفضها دعم مبدأ القيام بعملية عسكرية في العراق خلال قمة براغ. بل إنها ابدت معارضة صريحة لأي قرار في شأن مشاركة حلف الاطلسي في اية عملية عسكرية محتملة. واذا كانت الادارة الأميركية نجحت في حمل الدول المشاركة في القمة على الموافقة على تشكيل قوة تدخل سريع اطلسية قوامها نحو عشرين الف عنصر لاستخدامها في مهمات تتعلق بمكافحة الإرهاب، إلا ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك شدد على مبدأ التكامل بين قوة التدخل الاطلسية والالتزامات الدفاعية الخاصة بدول الاتحاد الأوروبي، مشيرا الى امكانية استعانة الاتحاد والحلف باحدى القوتين بعيداً عن اي تنافس بينهما. واكد ان «الهدف هو تحقيق الفاعلية في ادارة الازمات». واوضح شيراك ان فرنسا مستعدة للمشاركة في القوة الاطلسية اذا كان انشاؤها ينسجم مع الالتزامات التي حددها الاتحاد الأوروبي في هلسنكي. موقف مرتبك الموقف الروسي من التمدد الاطلسي بدا مرتبكا وملتبساً هذه المرة، على الرغم من ان الوجود العسكري الاطلسي بات على بعد عدة كيلو مترات من الحدود الغربية لروسيا. وفي حين رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المشاركة شخصيا في القمة الاطلسية مكتفيا بإيفاد وزير خارجيته ايغور ايفانوف (في اطار «مجلس العشرين» الاطلسي ـ الروسي)، لكن استقباله الحافل للرئيس الأميركي في مدينته المفضلة سان بطرسبورغ في اعقاب قمة براغ عكس اهتمامه الشديد بالوصول الي تفاهم مع الولايات المتحدة في شأن العديد من الموضوعات التي تشغله، وفي مقدمها موضوع التدخل العسكري الأميركي المتوقع ضد العراق وضمان المصالح الروسية في هذا البلد، وكذلك القضية الشيشانية التي تريد القيادة الروسية ان تجعلها احد الملفات الرئيسية التي تندرج تحت عنوان «مكافحة الارهاب». ومع ان موسكو مهدت لذلك بتصريحات صدرت عن كبار المسئولين الروس تقلل من اهمية توسيع حلف الاطلسي باتجاه حدودها الغربية ـ خلافا لمواقفها السابقة المنددة بهذا التمدد ـ لكنها لم تحصل مقابل ذلك سوى على وعود اميركية مبهمة. وفيما يتعلق بالموضوع الشيشاني تحديداً، نصح الرئيس الأميركي «صديقه» بوتين بالبحث عن سبل ل«حوار سياسي من اجل تحقيق حل سلمي للمشكلة الشيشانية». ومن المؤكد ان القيادة الروسية كانت تريد الحصول على اكثر من هذه النصيحة، خصوصاً بعد عملية احتجاز الرهائن في مسرح موسكو وتأييد الادارة الأميركية الاسلوب الذي عالجت به السلطة الروسية هذا الحادث. فهي كانت تعد نفسها لحسم المشكلة بالوسائل العسكرية وحدها. ولكن لكي تحصل موسكو على الضوء الاخضر الأميركي المطلوب لابد ان تقدم الكثير من التنازلات في الملف العراقي، وهو امر يحاول الرئيس بوتين ان يمسك العصا فيه من وسطها. ويعتقد المحللون ان سيف التمدد الاطلسي باتجاه دائرة المصالح الروسية سيظل معلقاً، فالولايات المتحدة تضع على لائحتها اسماء دول اخرى مثل اذربيجان وجورجيا، وحتى اوكرانيا ومعنى ذلك ان الضغط الأميركي على موسكو سيبقى مستمراً ويتخذ اشكالا مختلفة، طالما انه ليس لدى القيادة الروسية خيارات اخرى مريحة. يستدل من كل ذلك ان الأمر الواقع الذي تحاول الادارة الأميركية ان تفرضه على العالم في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر لا يستثني احداً. يتساوى في ذلك الاتحاد الأوروبي، الحليف الطبيعي، وروسيا، العدو السابق، ودول اخرى تحاول تلمس مصالحها بعيداً عن احتمالات المواجهة مع القوة الأميركية المنفلتة من عقالها. لكن الاتحاد الأوروبي يبدو الأكثر تضرراً من حركة التمدد الأميركية، فالجهود التي يبذلها لتغليب التوجهات التنموية والاندماج الاقتصادي لدى الدول التي يضمها اليه، تبددها الاهتمامات العسكرية كحلف الاطلسي. ومن المؤكد ان الاستجابة لشروط الانضمام الى الحلف بالنسبة لدول فقيرة، اي تحديث قواتها المسلحة وانفاق مزيد من الأموال على برامج التسلح الجديدة، انما يتم على حساب مشاريع التنمية والاصلاح الاقتصادي وتطوير البنى التحتية في الدول المعنية. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا