الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 ثمة اشخاص من حولنا لديهم قدرات خاصة، وامكانيات جيدة، ولكنهم لمجرد التفكير في امكانية الفشل في العمل الذي يرغبون بادائه، او نتيجة للخوف من عدم تحقيق نسبة مرتفعة من النجاح في أي امر من الامور يتخذون قرارهم بالابتعاد عن خوض تلك التجربة اذا لم تكن هناك مؤشرات قوية على انهم سيحققون الفوز الذي يريدون. ولو رجعنا إلى العامل الحقيقي وراء هذا التردد في خوض التجارب التي تتناسب في طبيعتها مع استعداد هؤلاء الافراد المتشككين في نيل النجاح، والذي تبدو لهم التجارب الجديدة مغامرات محفوفة بالمخاطر، فسوف نقف على حالة معنوية ضعيفة سببها الافتقار إلى الشعور بالثقة بالذات وانخفاض التوقعات الشخصية تجاه القدرة على تحقيق انجاز ملموس اثناء الخوض في تجارب جديدة، الامر الذي يؤدي إلى اختيار الانسحاب امام اي تجربة جديدة حيث لا تتوفر لذلك الفرد الفاقد السيطرة على انفعالاته، والذي ليس لديه الاستعداد لدفع ضريبة التعلم من الحياة، المفتقد القدرة على التكيف مع شروط تحقيق الذات الشجاعة الكافية للبحث عن الجديد!! وينسى صاحب هذه الفلسفة الضيقة انه وبسبب انطفاء حماسه لخوض التجارب المختلفة قد فقد اشياء لا يمكن تقديرها بثمن من اهمها عجزه عن اتخاذ القرار الصحيح، والجهل بالاسباب الحقيقية التي تقف وراء الارتقاء والنمو والتطور. ومثله يكون واهما لو ظن ان السماء ستمطر عليه علما وحكمة ووعيا وهو خائف في مكانه يترقب، وحذر من خوض غمار التجارب الجديدة ويخشي ان يعبر عن رأيه فينظر اليه على انه جاهل لا يعرف شيئا في الحياة. يخشى ان يخالف الآخرين من حوله فيرمى بالشذوذ وقلة الخبرة. وعلى النقيض من هذه الهلامية في المواقف، وهذا التقتير في منح التقدير الجيد للذات، يفاجئك ذلك المغرور السائر على غير هدى. الذي يرى نفسه فوق الناس، ويعتقد ان بأمثاله تزدهر الحياة، هذا ان كان يظن ان له مثيلاً او نظيراً!! معجب برأيه، ومهما كانت الآراء من حوله اكثر فاعلية وقيمة فهو لا يراها تساوي شيئا يستحق الذكر. لو كان مديرا لانزل قرارا تأديبيا فيمن تسول له نفسه ان يأتي بجديد في ميدان العمل الذي يصر على ان يراه خاضعا لاهوائه وافكاره الخاصة. ولو كان زوجا لرمى بنظرة نارية تضاعف من حسرات تلك المرأة التي اصابها اليأس من امكانية مناقشة آرائه، والتخفف من سلطته وسطوته. ولو كان ابا لحرم ابناءه من مجرد محاولة الدفاع عن افكارهم الخاصة التي لا يعترف بها، ولا يأبه لها. يعتقد ان مخالفته في الرأي انتقاص لقدره، وما يعلم ان اول من يسييء اليه هو فهمه المثقوب ونظرته الضيقة، ورؤيته الضبابية التي تسبب بها العجب بالنفس، والغرور!! يرى ان نجاح الآخرين محض صدفة، ومجاملة قدر ومنحة اتتهم من غير تعب، ووصلت اليهم دون ان يبذلوا لها من الاسباب ما يوصلهم إلى ذلك النجاح الذي تهيأ لهم. فقد قدرته على الاتصال الفعال مع الحياة والاحياء من حوله منذ زمن، وعجز عن استثمار المعلومات التي لديه بعد ان تعامل معها بطريقة انتقائية تؤكد ان العلم لديه وسيلة للتغطية على عيوبه الكثيرة، ولخداع الناس عما وراء تلك الكلمات البراقة من سلوك مخجل يندى له جبين الحياء. وليس غريبا عليه ان تراه يظهر امام الملأ متحدثا لامعا يجيد العزف على اوتار القلوب، ويجتهد في اقناع الناس بأهمية الالتزام، والحفاظ على القيم والمباديء فإذا ما بدا له من بعيد مغنم عاجل، ومصلحة تتعارض مع خطبه المنبرية، ومواعظه الشجية رمي بكلماته وشعاراته وراء ظهره، ومضي مشمراً ليس له من غاية الا تحقيق تلك المصلحة، وليكن ثمنها ان يدوس على مبادئه التي دعا اليها، فليس هناك اي سبب يمنعه من فعل ذلك. المهم ألا ينكشف امره، فاذا ما رأى اناساً من بعيد يقتربون منه نادى بأعلى صوته: المباديء!! المباديء!! وقد تعجب اذا علمت ان ثمة جمهوراً ساذجاً يصدقه ويثق به الامر الذي يدفعك إلى التساؤل عن اسباب وجود هؤلاء الجمهور، وهذا الممثل المحترف على مسرح الحياة اليومي المليء بالعجائب والاسرار!!