الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 ألم يأن للمعنيين بالدراما التلفزيونية ادراك ان رمضان لم يعد موسماً لازدهار هذه الاعمال؟ لدي قناعة جازمة بأن اي استفتاء منظم على نطاق عربي سيجهض هذا الاعتقاد. ليعتبر القاريء الكريم نفسه انموذجا فيذكر كم مسلسلا استطاع متابعته من الفيض الضخم المتدفق عبر رمضان المتواري للتو. ثمة عناصر متباينة تضافرت على ابطاء ـ ربما تدني ـ الاقبال على الدراما التلفزيونية ابان الشهر الفضيل. عديد من هذه العناصر المثبطة صادره عن دائرة صناعة هذه الاعمال نفسها. ربما على القائمين بأمر هذه الصناعة في البدء ادراك ان المشاهد لم يعد ينعم بالترف الزمني لهدر الطويل منه امام اعمال ممطوطة عمداً لدوافع ليست فنية. ايقاع معظم هذه المسلسلات الرتيبة لم يعد يواكب احساس المشاهد بعنصر الوقت. الكم المكرس للعرض في غضون الشهر يزيد على مستوى التخمة المحتملة بحيث ينقلب الامر الى شعور بالضجر. عدد الاعمال التلفزيونية المنتجة للعرض في رمضان أفقد المشاهدة شهية الترقب. تنافس المحطات على اختيار الوقت المناسب للاستقطاب افرز احساسا بالتراخي ازاء المتابعة مما يؤدي في النهاية الى ابطال عامل الحرص على المشاهدة اعتمادا على الامساك بالخط العام عن طريق تجميع لقطات عبر اكثر من محطة. بعض الممثلين والكتاب والمخرجين المتميزين يتكئون على نجاح اعمال سابقة فاعتقدوا ان بأمكانهم ترحيل هذه النجاحات من رمضان الى آخر. ربما على هؤلاء جميعا ان يدركوا ان المسلسلات لم تعد وحدها الاعمال التلفزيونية الاكثر اثارة وجاذبية. هناك برامج متعددة الحلقات باتت تحظى باهتمام المشاهد. بعضها اقرب الى وجدانه وبعضها اقرب الى عقله وبعضها الى الاثنين معا. على صعيد الدراما التلفزيونية تتوفر حاليا أعمال اكثر حيوية واثارة وصدقية. حرارة الاحداث التي تشهدها المنطقة او وعي المشاهد ـ وربما الاثنان معا ـ يفرضان على المشاهد اجتزاء مساحة زمنية اكبر لمتابعة نشرات الاخبار التي تحفل بدراما انسانية بالغة الاثارة. العديد من المحطات تبث هذه الدراما على الهواء حية، بعض هذه الدراما التلفزيونية يندرج ضمن الترفيه السياسي وهذا جانب بالغ التشويق والافادة يهمله التلفزيون العربي. بين الدراما التي تراوح بين التراجيديا والكوميديا تترى فصول من مشاهد تدمير البيوت الفلسطينية الى لقطات المصورين الراصدين لحركات المفتشين في العراق. في السياسة العربية اعمال حداثية تتجاوز فانتازيا انزور وسحرية ماركيز. الاحداث نفسها التي تقصف بالمنطقة زادت لدى المشاهدين نزوعا نحو محاولة استثمار رمضان على وجهته الحقيقية. المساجد تشهد اقبالاً عالياً على الصلوات من مختلف الاعمار، الشباب اكثر حضورا في التراويح والتسابيح والتهجد. هناك تسابق على تلاوة القرآن الكريم. كل هذا ضيق من المساحات الزمنية التلفزيونية عامة. من فيض الدراما التلفزيونية الذي غمر المشاهدين العرب في رمضان الفائت تكاد قلة تذكر انها تابعت بالكاد مسلسلا واحدا من ألفه الى يائه. بعض الاعمال شطت الى الفانتازيا وبعض تمسح بالسياسة واخر قصد قضايا اجتماعية لكنها خلت جميعا من شروط الابداع الفني التي تحرض على المتابعة. ما حظي به القليل من هذه الاعمال يندرج في سياق العادة او ـ في افضل الحالات ـ محاولة الاستكشاف. تريحنا المحطات التلفزيونية كثيرا اذا اسدلت الستار على هذه الاعمال مع انقضاء الشهر الكريم. العديد من الممثلين دأبوا على الظهور في برامج يتحدثون فيها عن ادوارهم في المسلسلات الرمضانية. أزمة هذه البرامج انها لا تعالج الشروط الموضوعية والفنية لنجاح او اخفاق تلك الاعمال. في توغل اعمق بين الوهم والواقع يتقمص ممثلون في البرامج الحوارية ادواراً لا يمتلكون الحد الادنى من مواصفاتها. فيفتي البعض في قضايا فقهية وعدد في شئون سياسية وبعض آخر في مسائل وامور اجتماعية. نعم من المهم ان يكون الفنان مثقفاً لكنه ليس بالضرورة ان يزعم انه عالم في مالا يعلم. الافضل لهؤلاء تقصي ومعالجة اسباب هبوط الاعمال الدرامية. فللجميع في ذلك فوائد جمة.