السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 لا اعرف ان كان كل الذين ولدوا في الستينيات مثلي يشعرون بالشعور ذاته الذي يحاصرني ايام العيد، وكل عيد، حيث تأخذني الذكرى الى الايام الخوالي، يوم كان العيد بالنسبة لي بهجة ، ما بعدها بهجة تنسيني ساعاتي وايامي وابقى الى ما بعد العيد منتعشا بها، اقاوم فراقها .. لا اعرف ان كان العيد ايام الصبا يختلف عن المراحل التي تليها من عمر الانسان .. او انها العادة، حينما يقال ان كل شيء قديم وفي ذلك الزمان له طعم مختلف. ربما يكون كذلك، وربما ان ايامنا هذه غير الايام التي عشناها في السابق، بمعنى ان احداثها تختلف واننا اليوم صرنا محاصرين بالاخبار والانباء التي تغم القلب وتعكر الصفو. بائع اسيوي كان يصف معي بعض الحاجيات في صندوق السيارة، قال فجأة «هذا زمان عجيب، تمر السنة فيه بسرعة عجيبة فيه هم كتير .. مشكل كتير، كلو نفر يسوي فكر في فلوس، نفر ما فيه طيب مثل اول .. قلب خربان، مخ خربان، اولاد خربان، حرمة خربان، ايمان قليل، عمر قصير، حرب واجد، كله عالم يسوي جنجال، حرامي ادمي فيه كثير، مسلمان ادمي في ظلم كثير». غمني هذا الاسيوي بكلماته التي انطلقت كالرصاصات على جمجمتي، فأنا في تلك اللحظة قد كدت امسك على لحظة صبا من لحظات العيد، وكنت قد شرعت في تأمل فكرة جميلة راودتني تتمثل في اصطحاب اطفالي الى نزهات متعددة اصبح انا فيها اصغرهم، افرح واضحك واتنطط كالطفل واشاغب، من حولي انساني ذلك الرجل الفكرة .. اغلقت صندوق السيارة الخلفي بعنف ومضيت الى حال سبيلي». في البيت كان علي ان افتح الانترنت وابحر في اخبار الشبكة،.. اعتقال، عدوان بالصواريخ على منزل في الاراضي المحتلة، شارون يلوح بدولة فلسطينية «منتوفة الجناح» والحرية .. خدعة جديدة ويقتل سبعة فلسطينيين بعد تصريحه فورا..عشرة شهداء في البريج والسلطة تطالب بحماية دولية..واشنطن تكثف الضغط السياسي والعسكري في العراق..كندا تدرس فرض حظر على حزب الله.. القمة العربية طارئة وغير طارئة ومن اجل من تنعقد، هناك غيم وضباب في الاجواء. عشرات العناوين المسممة لاجواء فرحة العيد .. على الفور تذكرت كلام الرجل الاسيوي البسيط. من مثلي لا يشعرون بفرحة كبيرة في العيد لانهم من ذلك الزمن، ولأنهم «جدام مال اول لغبار طالع من حلوجهم»، لكن من مثلي لا يلام، فعلى ايامنا كانت التلفزيونات والاذاعات ايام العيد تبث كل عشرة دقائق الاغاني المخصصة للعيد فتربطك به وتقيدك بفرحته، وكانت الصحف تعطل يوماً واحداً لتريح اعصاب قرائها من الشد ومن الازمات، وكان الاصدقاء والاقرباء يزورون بعضهم البعض ويقطعون المسافات لرؤية من يحبون، اليوم صارت تهاني العيد «وبوساته على الخد» مسجات، فتقبل شاشة هاتفك بدلا من خد قريبك او صديقك، وسلة الفواكه والحلوى العمانية الساخنة في طاستها المعدنية ودلة القهوة وفناجينها مكانها وسط الصالة فلا جيران يقبلون عليك في ابراج الحمام التي نعيش فيها. العيد فقط لاستعادة الذكرى واجترار السعادة القديمة.