السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 لكل صحافي هم خاص، يختلط فيه الشأن الوطني مع شئون المهنة، وبينما يتعاطى الصحافي مع هذه الهموم نقلاً وتحليلاً، رأياً وتعليقاً، فإنه يصنع قدره ويحدد خطوط وعيه ومساره، ويعلم على وجه اليقين على أية أرض يتحرك، وكيف يرسم خطواته وترحاله. يتحرك الصحافي على بياض الورق، فيمارس تجوالاً في وعي الجماهير، وسفراً في الأمكنة، ورحيلاً في التاريخ، فما من صحافي يكتب بوعي وادراك لدوره ورسالته إلا ويكون ـ ويجب أن يكون ـ قارئاً ومطلعاً للتاريخ، ذلك ان مجموع الآراء التي تتناولها أقلامنا ليست بحجم الزاوية الصغيرة التي خصصتها لنا الصحيفة، وليست بكمية الحبر التي سكبتها أقلامنا ونحن نكتب، إن الآراء التي تشكل حصيلة ما نكتبه هي في الحقيقة قطرة حبر في تراكم طويل عبر أجيال وتاريخ، ولذلك ما من مقال يختصر قضية، وما من صحافي يختصر صحافة، وما من صحافة يمكن ان تسمي نفسها صحافة حرة دون وجود صحافيين أحرار وعلى درجة عالية من الوعي والوطنية. من يصنع حرية الصحافة؟ ومن يمنح الصحافي حريته؟ وكيف تكون حرية الصحافي؟ أعتقد بأن القضية ليست بالسهولة التي يمكن أن يتصورها البعض، خاصة بعض الصحافيين الذين يعتقدون بأن حرية الصحافة ليست سوى مقالات وأخبار فضائحية أو ناريّة، يطلق فيها بعض الكتّاب العنان لألفاظهم ومعانيهم بحيث يختلط في مقالاتهم الحابل بالنابل، وتصبح (حرية الصحافة) من وجهة نظرهم مرادفاً لحرية النيل من الآخرين بدون وجه حق، وبدون تثبت أو برهان! سمعت مسئولاً كبيراً ذات يوم يحتج على كتابات البعض ويقول مهدداً بأنه «لولا الحياء والأصول لعرف كيف يؤدب الصحافي الفلاني، ولولا الأصول وآداب المجتمع ومركزه لعرف كيف يرد على الصحافية الفلانية»، وحينما عدت الى الكتابات التي قصدها وجدتها قد ضربت حرية الصحافة في مقتل! ربما بدون قصد، وربما بدون وعي من أصحابها، فإن تنتقد الخطأ لا يعني بأي حال أن تطال الأشخاص أو تمس سمعتهم ومشاعرهم، أن تقول رأيك في خطأ يعني أن تتحدث عن الاداء الخطأ، عن الفساد، عن التجاوز وبصوت عال وواضح وببراهين وأدلة واضحة، لكن دون الاقتراب من الاشخاص، فالصحافي والكاتب يمكنه ان يحاكم الخطأ، وان يقيم الأداء، وأن يكون كاتباً ومحللاً ومؤرخاً، لكنه لا ولن يكون قاضياً على الاطلاق! والمهم ألا يكون مثيراً للفتن ومستغلاً لمساحات رخوة في العلاقات بين المؤسسات فيقوم باختراقها والعزف على أوتارها بحجة النقد، بينما الواضح تماماً انها لا تبتعد كثيراً عن كلمة الحق التي يراد بها باطل! وعي الصحافي أو الكاتب بدوره في قضايا مجتمعه هو أول خطوة له في طريق فهم دوره، وفي طريق تأسيس حريته، ومن ثم يضع بهذا الوعي لبنته الخاصة في بنيان حرية المجتمع وحرية الصحافة، فحرية الصحافة هي نتيجة لحرية المجتمع، وحرية المجتمع تراكم في التاريخ والثقافة والزمن والذهنية، ومن كل هذا المزيج يأتي الصحافي الحر والشريف الواعي والمدرك لحدود دوره ومسئولياته. أضحك كثيراً حينما يقلب البعض الصورة مدعين بأنهم هم من أسس حرية الصحافة في المجتمع، وبأنهم هم من دشنوا عصر الكلمة الحرة المنعتقة من قيودها، بينما تراهم مرتهنين الى حسابات معقدة ومنغمسين في معادلات شخصية لا نهاية لها تجعل من حريتهم الصحافية التي يدعونها مجرد وهم وجبل ملح سرعان ما يذوب سريعاً. علينا واجب ولنا دور محدد وواضح، وأول ما علينا ان ندركه هو التاريخ، أما أول ما يجب علينا ان نحدده فهو موقفنا من السياسة والدين، أما الأهم فهو الاجابة عن السؤال الأخطر: إذا كنا ننقل الواقع ولا نصنعه ـ يصف بعض المنظرين الإعلام ـ فهل ننقله بصدق؟ هل نحن شهود حق على ما يجري وعلى العصر أم شهود زور؟ ذلك ما يمكن ان يختصر الاجابة عن السؤال الأخطر: هل لدينا حرية صحافة بالفعل؟