السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 لن أبدأ بالمقولة المملة التي غالباً ما يستشهد بها الاعلاميون في مقالاتهم وكتاباتهم ومقابلاتهم في أن العالم أصبح قرية صغيرة متواصلة، بل سأتعداها لأشير الى ان غرفة نومك اصبحت عالماً كبيراً، فأنت تتواصل مع العالم الخارجي، تراه وتسمعه، تخاطبه ويخاطبك، تتواصل معه ويتواصل معك عبر وسائط تكنولوجية مختلفة، فمن المعلومة التي ينقلها لك التلفزيون في بثه المحلي الى الهاتف والصحف والشيفرات الاتصالية الاخرى مروراً بوكالات الأنباء والبث الفضائي وصولاً الى الانترنت تجد نفسك تملك مفاتيح الاشياء وأنت مستلق دون أدنى جهد. من هنا نجد ان هذا الزمن هو زمن معلوماتي يعتمد في تعاملاته اليومية على حجم ما تملك من معلومات، لذا يأتي تركيز المختصين على الوسائط الناقلة له كبيراً جداً، فبعد ان تسارعت المعلومات، ونمت بشكل واسع ومثير اصبح لزاماً على المهتمين البحث عن أوعية تستوعب ما يأتي منها وما يفيض، ولهذا جاءت فكرة بيوت المعلومات وبنوكها حيث بدأت متواضعة نظراً لسرية المعلومات وأهميتها، الا ان التواصل والتسارع والتباري بين الدول في فتح الفضاء الخارجي، وكذلك فك القيود المشددة على ايصال المعلومات، اضافة الى تنامي التكنولوجيا، كل ذلك ساعد على عدم سرية الكثير من المعلومات التي كانت الى وقت قريب تعتبر من أسرار الدول! إذن نستطيع ان نقول بأننا أمام حجم المعلومات المتزايدة أصبحنا مجرد أرقام، فأنا اعرفك من خلال حجم المعلومات المتاحة بين يدي عنك، وانت تعرفني بلمسة زر صغيرة أيضاً. كل ذلك يتيح للآخرين معرفتنا وفهمنا بشكل يسير، وبالتالي تصنيفنا ووضعنا في جداول وأرقام يسهل تناولها وتداولها وحفظها واسترجاعها. الآخرون يعلمون كل شيء عنا، لأنهم مهتمون بالمعلومة المتوافرة لديهم ويحاولون في كل مرة تدقيقها وتدعيمها وزيادتها وتحديثها لأنهم يدركون أهمية عملهم هذا، بينما نحن نحس بالضياع في كل مرة نريد فيها معلومة عن الآخر، لأن البناء الحقيقي غير متوافر والحس بها ضائع وغير موجود، وتحليلها معدوم أبداً. ومن هنا تأتي قراراتنا اليومية سواء كانت إدارية أو اقتصادية أو فنية بعيدة عن جادة الصواب، لأن اساسها غير متوافر، وإن كان بعضها يملك نصف المعرفة أو جزءاً منها! وبعيداً عن المعلومة الكاملة والناقصة نقف أحياناً في منتصف الطريق لنكتشف أن هذه الحياة عجيبة وغريبة، فهي لا تعتمد على المنطق والحساب أو ما بينهما، فالحظ يأخذ حصته من دورانها مثلما يأخذه النفاق والتملق والمحسوبية، ولأن الصادقين في التعامل لا يعجبهم إلا منطق الوضوح يجدون انفسهم بعيداً عن نبض الحياة اليومية، فهم غير مقبولين في دورانها، ولذا نراهم يعيدون حساب ما وصلوا إليه من حالة يرثى لها. ولأن الحياة التي نعيشها الآن بدأت تخلع معطف المنطق والعقل نجد أن إيمان البعض بالأشياء الثابتة قد تزعزع، فأصبحت المسلمّات دلالات هشة تقف على أرض لينة تأخذهم إلى أعماقها كلما رفضوا منطقها، وأصبحت معرفتهم بالوجوه ضبابية أمام منطق الأشياء المقلوبة.. فهذا الذي معك هو في الواقع ضدك، وذاك الذي كنت تحسبه عدوك إنما هو صاحبك، وأنت ما بين الصاحب الساعي لضربك والعدو الساعي لصحبتك تقف ممداً، ترمي بأسئلتك دون ان تلقى إجابة! ونتساءل أين الخلل؟ لماذا يصبح الصواب خطأ والخطأ صواباً؟! لماذا تعاندنا الأشياء في منطقيتها؟ أليس إعلان الحق هو الخلاص من الشكوك! أليس الصدق هو سبيلنا إلى الحق؟! لماذا نفتح أبواباً ومنافذ أخرى لوجوه ممسوخة تتجمل بأقنعة الكذب والزيف والنفاق وقولبة المنطق لصالحها..؟! لماذا ندعها تكسب أرضنا وزماننا وأناسنا وتستثمرهم بمنطق الحق الذي يراد به باطل؟! إذن الخلل يرتسم هنا، عند أغلب الذين ويفرطون في حقوقهم ويتركون مساحتهم ومنطقهم وزمنهم وصوتهم للآخرين.. فعندما يصبح الخطأ صواباً ونسكت، والباطل حقاً ونسكت، والشر خيراً ونسكت، أن نرى ونسمع أن من يدافع عن أرضه مجرماً، ومن يدافع عن بيته آثماً ومعتدياً، ومن يقول الحق مجنوناً، ومن يطالب بالأخلاق والقيم ممسوساً، ومن يتمسك بدينه متخلفاً.. انه زمن القولبة والتبدل الذي رسمناه نحن بسكوتنا على ما فيه، وصدقناه عندما رضينا منطقه، وتحالفنا معه في تواصلنا وعدم رفضنا له!