السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 صدر القرار الدولي الذي حمل الرقم 181 والقاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية. وقد حدد القرار العتيد حدود كل من الدولتين ـ ورسم الخرائط التي اعدتها بريطانيا الدولة المنتدبة انذاك كما حددت في الخرائط المساحات والانهار والبحيرات والجبال ومساقط المياه كما ارفق القرار بمشروع لاتحاد اقتصادي بين الدولتين! وكان ابرز الموافقين على قرار تقسم فلسطين ـ الولايات المتحدة الاميركية، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا وفرنسا، وابرز المعارضين للقرار الدول العربية الاعضاء في الامم المتحدة يوم ذاك مصر ـ سوريا ـ لبنان ـ العراق. واهم الدول التي امتنعت عن التصويت كانت ـ الصين ـ . وكان الشارع العربي حتى عام 1990 يضج بالجماهير ويتفجر بالهتافات كلما حانت ذكرى تقسيم فلسطين وتاريخها الجريح 29 نوفمبر من كل عام استنكارا لتقسيم فلسطين، وادانة للمؤامرة البريطانية الصهيونية التي صنعت مأساة الشعب الفلسطيني. واذا علمنا ان قرار التقسيم كان الحصيلة ـ المنطقية ـ والخطيرة لما سبقها من مقدمات تبدأ في المؤتمر الصهيوني الذي ترأسه الاب الروحي للحركة الصهيونية تيودور هرتزل في بال في سويسرا 1897 مرورا بوعد بلفور الذي قدم صك ملكية فلسطين لليهود تحت حجة وذرائع أوهى من خيوط العنكبوت وانتهاء باتفاقية «سايكس بيكو» بين بريطانيا وفرنسا عقب الحرب الكونية الاولى حيث قسمت المنطقة العربية واخضعت للانتداب البريطاني والفرنسي وقد تولت بريطانيا الانتداب على فلسطين لتنجز وعدها المشئوم باقامة الموطن القومي لليهود!! واذا علمنا ايضا ان عدد اليهود ـ يوم صدور قرار التقسيم لم يتجاوز خمس عدد سكان فلسطين، وان الارض التي كانوا يمتلكونها بأساليب غاية في القرصنة والاغراء والالتواء والتزوير ومع ذلك لاتساوي عشرة في المئة من مساحة فلسطين ندرك عندئذ جسامة المؤامرة وبشاعتها. وقد خاض الكيان الصهيوني العنصري بعد قيامه والاعتراف الدولي به عام 1948 سلسلة من الحروب ضد العرب مدعوما بالغرب الامبريالي كان ابرزها حرب العام 1956 يوم غزت دول ما يسمى ـ العدوان الثلاثي على مصر ـ والحرب التي سميت بنكسة يونيو عام 1967 حيث استكمل العدو الصهيوني احتلال ارض فلسطين بالكامل بما فيها القدس مضيفا اليها الجولان، وسيناء مصدرا حكم الاعدام على قرار التقسيم رقم 181 المرفوض اصلا من جانب الجماهير العربية من المحيط الى الخليج بالنظر لظلمه الفاضح وخطره الواضح وفرضه منطق القوة الرعناء. واليوم ونحن نستذكر قرار التقسيم في يوم ميلاده تدهشنا رؤية المشهد الماثل على ارض الواقع فالكيان الصهيوني عزز وجوده الدولي من الصين والهند شرقا حتى اميركا غربا ومكنته العبقرية الغربية من امتلاك الاسلحة النووية ومختلف انواع اسلحة الدمار الشامل كما تحاول اميركا حليفه الاستراتيجي ووكيل اعماله السياسي، ومنطلق تفوقه على العرب موحدين او مفرقين تحاول اقفال المنطقة نفطيا واقتصاديا وتسليمه مفتاح مصيرها. كما تعلن اميركا استعداداتها الهائلة لشن حرب على العراق بحجة امتلاكه الاسلحة التي تشكل خطرا على العالم وتريد للعالم ان يستغني عن عقله ووجدانه ويصدق ان المحاصر منذ اكثر من عشر سنوات يمكن ان يخيف اميركا او يشكل خطرا فهي تستهدف العراق الموقع والموقف، والعمق العربي، وتستهدف العراق الجغرافيا للهيمنة على محيطه وصولا الى تحقيق الحلم الصهيوني القديم والمتجدد في توزيع الفلسطينيين الصامدين على شواطيء بحيرة الدم في ديارهم ونقلهم الى العراق الذي يستوعب اضعاف عدد سكانه الحاليين وفق المنطق الصهيوني! واذا علمنا ان العدو الذي لم يصدر خريطة لكيانه ولم يعلن عن دستور لدولته ـ قد رسم على عملته الرسمية خريطة لدولته المزعومة التي حلم بها تمتد من افريقيا حتى جبال طوروس تتوسع من المتوسط حتى مشارف باكستان ندرك ان قرار التقسيم الذي نتذكره هذه الايام كان السرطان الابشع والاشنع الذي ولد عام 1947 ليمتد في الزمان والمكان حاملا للوطن العربي والعالم كل ما يقهر السلام ويغتال العدل ويورث الذل والمهانة للتاريخ العربي. وبالرغم من مسلسل الدم الذي حل بالمنطقة مع وصول اول باخرة تحمل الغزاة الى ارض فلسطين قبل اكثر من قرن فان شعبنا العربي رفض الاستسلام واعلن تمرده على قيود الموت والذل التي فصلت له فكانت الانتفاضات والحروب المشرفة ونجومها ساطعة في سماء المقاومة بدءا بثورة 1936 وحرب 1948 والتضامن العربي في وجه العدوان الثلاثي 1956 وحرب اكتوبر التحريرية عام 1973 ودحر جيش العدو من الجنوب اللبناني البطل وجهاد ابطال الانتفاضة الباسلة كل هذه الوقائع تؤكد رفض شعبنا للغزو الصهيوني العنصري، واستعداده لمواصلة النضال حتى تحرير كل ذرة من التراب والحقوق في فلسطين والجولان وجنوب لبنان مهما طال مشوار الدم والهم والقلق والتضحيات ولنا من تاريخ شعبنا وبطولاته ما يجعل التفاؤل بالنصر اقرب من حبل الوريد. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب