السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 في اطار الحملة الاميركية الجارية ضد العراق والحديث عن مستقبله في ظل النتائج التي ستترتب على الحرب الاميركية المقررة ضده، تطرح أسئلة كثيرة حول علاقة الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة بالأكراد وقضيتهم، على نحو: هل يعد الغرب القضية الكردية قضية سياسية تخص شعباً محروماً من حقوقه القومية والوطنية أم مسألة أمنية في سلم أولوياته حيال العراق والترتيبات الأمنية حيال المنطقة عموماً؟ بقدر ما يلخص هذا السؤال اشكالية علاقة الغرب بالأكراد، فإنه في الوقت نفسه يكشف عن الابعاد المتشعبة للقضية الكردية وحساسيتها الاقليمية والدولية، نظراً لتوزع الاكراد بين اربع دول اقليمية كبرى في المنطقة وعلاقة قضيتهم بالأمن الوطني والاجتماعي والاقتصادي والقومي لهذه الدول من جهة، ومن جهة ثانية نظراً لمنطق التعامل الاميركي المزدوج مع الاكراد انفسهم، بين سياستها التي تعتمد ادرار العطف حيال اكراد العراق تحت شعارات انسانية اخلاقية وتؤمن الحماية الأمنية لهم، وبين عدها كفاح الاكراد في تركيا من اجل حقوق مماثلة لأكراد العراق ارهاباً وتجاهلها لقضيتهم هناك، بل في العمق تبرير النهج الاقصائي للدولة التركية ضدهم على الرغم من ان عدد سكان اكراد تركيا يزيد ثلاثة اضعاف على اكراد العراق. في الواقع، منذ العشرينيات وحتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي لم تكن علاقات الغرب بالأكراد علاقات علنية تقوم على أسس واضحة بل كانت علاقات امنية سرية تندرج في الاطار الاستخباري، اذ ان الغرب نظر الى الاكراد ككتلة بشرية مهمة وعلى انهم جزء مهم في منطقة جيوسياسية حساسة تتجاذبها التيارات القومية والدينية والمصالح الاقتصادية النفطية، اي ان جوهر سياسته حيالهم لم يكن يقوم على اعتبار قضيتهم شأنا سياسياً مستقلاً، بل باعتبارها اولوية امنية يمكن استخدامها في الظرف المناسب ضد هذا الطرف الاقليمي المعني بالقضية الكردية او تلك، وحينما يقضي الغرب مصالحه مع هذه الدول فإنه يضع الاكراد امام الامر الواقع الصعب، ليواجهوا قدرهم مع دورة الدم، ليكونوا هم في النهاية ضحية السياسة الغربية نفسها، ولعل هذا ما دفع بالصحفي الاميركي كارل ماير الى عنونة مقال في الواشنطن بوست (لا تخدعوا الاكراد مرة اخرى). في التجربة التاريخية لعلاقة الاكراد بالغرب، محطات كثيرة تحولت فيها الآمال الكردية بالحرية الى لحظات قاسية حملت معها المعاناة والمأساة لهم، عبرت في الوجدان الكردي عن خيانة الغرب للأماني الكردية التي كافح الاكراد من اجلها طويلاً، وفي كل انتكاسة كردية كان السياسيون الاميركيون الذين كانوا على علاقة بالملف الكردي يقولون: (انهم كانوا يقومون بواجبهم.. وعلى الاكراد ان يميزوا بين النشاط الاستخباري والعمل التبشيري). هذا ما قاله هنري كيسينجر وزير الخارجية الاميركي الاسبق رداً على مناشدات الملا مصطفى البارزاني له عقب الانتكاسة الكردية في العراق عام 1975 اثر اتفاقية الجزائر بين النظامين العراقي والايراني في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بحضور الرئيس الجزائري الاسبق هواري بومدين. وسبقت هذه التجربة تجربة معاهدة سيفر عام 1920 بين دول الحلفاء وتركيا والتي خصصت موادها (62-63-64) لحل مسألة الشعب الكردي واقرت بموجبها اقامة كيان قومي كردي في جنوب شرقي تركيا (كردستان)، الا انه مع بروز عوامل ومصالح جديدة في علاقة دول الحلفاء بتركيا تخلت هذه الدول عن معاهدة سيفر الوثيقة الدولية القانونية الاولى والوحيدة التي تقر باقامة كيان قومي للأكراد. وحديثاً يتذكر اكراد العراق تجربة عام 1991 عندما انتفضوا ضد النظام العراقي عقب حرب الخليج الثانية بتشجيع اميركي، ولكن سرعان ما اكتشف الاكراد أنهم كانوا ضحية هذا التشجيع بعد ان استخدمت القوات العراقية الاسلحة الثقيلة ضدهم، وهو الامر الذي ادى الى تهجير قرابة ربع مليون كردي الى دول الجوار ولا سيما تركيا التي اقامت معسكرات لهم، وهو الامر الذي دفع بالقيادة الاميركية لاحقاً الى اقامة قواعد عسكرية جديدة في جنوب شرق تركيا (انجرليك) بزعم حماية الاكراد ومن ثم تحديد منطقتي الحظر في شمال العراق وجنوبه. القراءة الغربية وتحديداً الاميركية للحدث الكردي ليست واحدة او منهجية، انما تخضع لشكل الحدث الكردي نفسه وعلاقته بالشأن الاقليمي على شكل دورة الاقدار والمصالح، تبدأ الدورة مع حدوث مأساة كردية حيث تظهر الدعائم السلمية والانسانية التي يتقرب الغرب على اساسها من الاكراد ومأساتهم واقعاً امنياً وسياسياً، ثم تبدأ الدورة بالنزول لتنتهي على مذبح المصالح والاعتبارات الامنية لعلاقة الغرب بالدول الاقليمية المعنية بالمشكلة الكردية على اساس انها مشكلة داخلية. الوقائع المذكورة لا تنفي ان اكراد العراق بعد حرب الخليج الثانية اقاموا العديد من المؤسسات والاجهزة واتخذوا العديد من الخطوات التنظيمية والادارية والسياسية والتي كان آخرها اعادة توحيد البرلمان الكردي واعداد دستور ينص على اقامة الفيدرالية الكردية في العراق، هذه الخطوات والتي جرت بشكل هادئ وتدريجي جميعها تندرج في اطار التأسيس لبنية كيان دولة، علماً ان مثل هذا الامر لا يحظى بقبول اقليمي بل ان تركيا التي تقول انها ستكون اكبر المتضررين من هكذا دولة هددت باجتياح شمال العراق في حال اعلان الاكراد دولتهم هناك. وعلى الرغم من اهمية هذا العامل الاقليمي الحيوي في مسار القضية الكردية رفضاً او قبولاً، الا ان الامور في مسارها النهائي تتجه الى المطبخ الاميركي، هذا المطبخ الذي يبدو انه بصدد اعطاء مهمات جديدة للاكراد في السياسة الاميركية حيال المنطقة، ولعل الحديث الاميركي عن (الموديل او النموذج) في شمال العراق يحمل قدراً من السياسة والامن معاً، كما ان رسالة وزير الخارجية الاميركي كولن باول الى البرلمان الكردي هي شيء من هذا القبيل. هل هذا يعني ان العلاقة الغربية (الاميركية) ـ الكردية انتقلت من الاولوية الامنية الى مستوى القضية السياسية؟ على الزعماء الاكراد وتحديداً مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وجلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني ألا ينخدعوا بالشعارات الاميركية والوعود التي تعطى لهم من هذا الظرف او ذاك مرحلياً لصالح تحقيق هدف استراتيجي تسعى الادارة الاميركية الى تحقيقه فالعامل الامني والعلاقة الاستراتيجية مع انقرة والمصالح المنتظرة مع ايران والقراءة المتجزئة لواقع الاكراد ما زالا هما جوهر السياسة الاميركية حيالهم. والحقيقة التي ينبغي قولها هنا، انه اذا كانت التجربة السابقة لعلاقة الاكراد بالغرب كشفت عن قصور سياسي كردي في فهم ابعاد علاقتهم بالغرب، اذا لم يستفيدوا من الدروس التي تكررت معهم مراراً، فهم اما نظروا اليه (الغرب) بصفته الامبريالية والاستعمار وتالياً يجب محاربته او بصفته قوة ضاربة يمكن الاعتماد عليها والعمل لحسابها من دون حساب، وكثيراً ما كانوا ضحية هذه الفهم السياسي. ففي الحال الاولى تحولوا الى (ارهابيين) مطلوبين (للشرعية الدولية) حيث المحافل الدولية مغلقة امامهم كما هي حال حزب العمال الكردستاني (قبل ان يغير اسمه) وزعيمه عبدالله اوجلان المسجون حالياً في تركيا، وفي الحال الثانية الى (عملاء للامبريالية والصهيونية يعملون لتقسيم الامة وتفتيتها) كما هي حال حزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.. الحقيقة التي ينبغي قولها هي ان زعماء اكراد العراق (البارزاني والطالباني) حتى الآن ابدوا الحرص والدقة حيال العلاقة مع الغرب وما تريده الادارة الاميركية منهم في مسألة القضية العراقية وفي الوقت نفسه حرصوا على الحوار مع العواصم الاقليمية: دمشق، انقرة وطهران على أمل ألا يساء فهم قضيتهم في زحمة الحملة الاميركية لا العراق وحده بل على المنطقة بأكملها في ظل الحديث عن استراتيجية جديدة بعد الحادي عشر من سبتمبر، استراتيجية يراد منها اعادة رسم خريطة المنطقة من جديد. واذا كان هذا هو الواقع فإن السؤال الذي يطرح نفسه في العلاقة الاميركية ـ الكردية، هو هل تتجه ادارة الرئيس بوش بخلاف الادارات السابقة الى دمج الامن في السياسة في قضية اكراد العراق تحديدا؟ ربما الجواب عن السؤال غير متوفر حالياً ولكن بالتأكيد موجود في مخططات وسيناريوهات بوش لمرحلة ما بعد ضرب العراق. ولكن المهم هنا، وقبل هذا وذاك، على الاكراد ان يستمروا في حوارهم الايجابي مع عواصم المنطقة والمعنيين بقضيتهم مباشرة، حواراً يؤمن حلاً سلمياً دائماً لقضيتهم، حلا لا يهدد الامن والسلام في علاقتهم بشعوب المنطقة التي عاشوا معها عبر التاريخ وفي جغرافية لها وحدة البنيان الحضاري العام. على الاكراد ان يسمعوا جيداً ما قاله كارل ماير لزعماء الغرب: «لا تخدعوا الاكراد مرة أخرى». ـ كاتب سوري