السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 كانت بلاداً آمنة مطمئنة.. ولكن منذ ان قررت حكومتها الاقتداء بالسياسة الاميركية بعد احداث سبتمبر اختلف الأمر.. فقد تلاشى الامن والاطمئنان في البلاد. والسؤال الذي يطرح هو: لماذا انحرفت استراليا عن نهجها التقليدي الثابت في النأي بنفسها عن الصراعات الجدلية في الساحة الدولية؟ وما الذي دعاها الى الانضمام للحرب العالمية التي تشنها الولايات المتحدة على الشعوب الاسلامية باسم «مكافحة الارهاب»؟ انه سؤال يطرحه المواطنون الاستراليون انفسهم على حكومة جون هوارد الذي صار ملكياً اكثر من الملك في سياق هستيريا «الارهاب». في اعقاب حادثة تفجر الملهى الليلي في جزيرة «بالي» الاندونيسية والتي كان معظم ضحايا مواطنين استراليين عرضت وسائل الاعلام الغربية مقابلات مع مواطن استرالي من اصل بريطاني يدعى بريان ديجان كان ابنه الشاب البالغ من العمر 22 عاماً احد قتلى حادثة بالي، وما جعل هذا الأب يشتهر اكثر من غيره من ذوي الضحايا الاستراليين هو انه بعث برسالة مفتوحة الى رئيس الحكومة الاسترالية يطالبه فيها بالاجابة عن اسئلة محدودة محورها لماذا بات الاستراليون مستهدفين كالاميركيين: «هل لاننا كدولة ارتضينا لنفسنا دوراً لا نستطيع الوفاء به في الحرب على الارهاب التي تقودها الولايات المتحدة» ويمضي ديجان في التساؤل فيقول: «لماذا تقوم حكومتك بتعذيب قسم معين من المواطنين بالسماح بمداهمات مسلحة على مقارهم الخاصة باسم الامن القومي؟». ولا يخفى ان المقصود بالقسم المعين من المواطنين هو الاستراليون المسلمون، فقد شنت فرق الامن مداهمات على منازل الاستراليين من اصل اندونيسي في سياق البحث عن عناصر «الجماعة الاسلامية». جرى ذلك على خلفية سلوكيات عدوانية ضد المسلمين الاستراليين عموماً بتشجيع من السلطات مثل الهجوم على المساجد والتحرش بالنساء المحجبات وعرض برامج تلفزيونية واذاعية تتخللها مكالمات هاتفية من الجمهور تسب المسلمين والاسلام. ويبقى السؤال الاصلي مطروحا: لماذا قررت الطبقة الحاكمة في استراليا انتهاج النهج الاميركي في الحملة ضد المسلمين والاسلام علماً بأن اقلية المسلمين في استراليا اشتهرت على مدى عقود بأنها اكثر الاقليات مسالمة واحتراماً للقانون؟ اغلب الظن ان الامر يتعلق بالمستقبل اكثر منه بالحاضر، فقد بات ثابتا ان الاسلام في استراليا يتنامى وينتشر اكثر من اي ديانة اخري، ومما يضاعف من تخوف الطبقة الاسترالية الحاكمة ان الاسلام اخذ يجتذب الاجيال الصاعدة من الاستراليين البيض، ومن المثير حقا ان الاسلامي الاسترالي الوحيد الذي القي عليه القبض حتى الآن ووجهت اليه تهمة الارهاب هو جاك روش ـ مواطن ابيض اعتنق الاسلام «رغم انه لم يغير اسمه». ان استراليا، تحت حكومة جون هوارد، تندفع سريعاً على طريق خطير ووفق سياسة معاداة الاسلام والمسلمين تتخذ من حين لآخر قرارات داخلية وخارجية تتميز بالاستفزاز. ومن احدث الخطوات الداخلية دفعت حكومة هوارد بتشريع الى البرلمان يسمح للشرطة وجهاز الامن الفيدرالي باحتجاز «المشتبه بهم» دون تقديمهم الى محاكمة أو السماح لهم بالاستعانة بمحام، ومن الواضح ان هذا التشريع يستهدف المسلمين الاستراليين تحديداً. وعلى الصعيد الخارجي أدلى رئيس الحكومة الاسترالية الاسبوع الماضي بتصريح خطير قال فيه ان استراليا في سياق جهودها لمحاربة «الارهاب العالمي» على استعداد لتسديد «ضربات استباقية» على الجماعات «الارهابية» في دول جنوب شرق آسيا، وعلى الفور صدرت ردود فعل غاضبة من حكومات ماليزيا واستراليا وتايلند.. بل وحتى الفلبين كلها تندد بهذا التصريح باعتباره انه ينطوي على نوايا استرالية بانتهاك سيادة هذه الدول. واجمالاً تبدو حكومة هوارد وكأنها فرع لادارة بوش في منطقة جنوب شرق آسيا، واذا كان هناك من تشابه آخر بين السياستين الاسترالية والاميركية فهو ان كلا الدولتين لا تتوخيان الدقة في حسابات ردود الفعل. لقد ظلت استراليا تتمتع بمكانة محترمة في العالم العربي والاسلامي. وظلت الاسواق العربية والاسلامية مفتوحة لها على مصاريعها. ولم تعرف استراليا في تاريخها المعاصر اي ازمات في علاقاتها مع العالم العربي والاسلامي. لكن هذا كله الآن بات قابلاً للنسف اذا واصلت استراليا السير بقيادة حكومة هوارد على طريق محفوف بمخاطر جمة، ومع مرور كل يوم فإن هذه السياسة تنتقص من عناصر الأمن والطمأنينة اللذين ظلا السمة المميزة للمجتمع الاسترالي.