السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 قد تكون الادارة الحديثة علماً قائماً بذاته، يدرّس في أعتى الجامعات، وتمنح لها الدرجات العلمية، إلا ان الابداع والتطوير في الإدارة والوصول بها إلى درجة القيادة يعتمد في المقام الأول على القدرات والامكانات الذاتية والشخصية للقائد. ولو ابتعدنا قليلاً عن الادارة واقتربنا أكثر من مدراء الدوائر المحلية، هل يحق لنا أن نسأل عن تكلفة بناء المجالس لدى كل منهم في منازلهم؟! قد يكون ذلك سؤالاً شخصياً ولكن اعتقد أن كلاً منهم صرف مبالغ تقدر بمئات الآلاف لتشييد مجالس ضخمة «ترمح» فيها الخيل من رحابتها، طبعاً هذا شأنهم ومن حقهم، ولكن هل فكر أحد منهم في استغلالها لمصلحة العمل؟ بمعنى كم هم الذين فكروا في جمع مسئولي الدائرة التي يديرونها في جلسة رمضانية تسودها الأجواء الأخوية والنفوس المتصافية لبحث ومناقشة هموم ومشاكل الدائرة والموظفين؟ ألا تعتقدون ان هذه الأجواء والظروف المكانية بعيداً عن كراسي الاجتماعات وضغط العمل والتسلسل الوظيفي هي الأنسب لفتح حوارات صريحة والوصول إلى نتائج إيجابية سريعة لمصلحة العمل؟ ترى ما هو المردود النفسي الذي سيعود على الموظفين أو رؤساء الاقسام عندما يلتقون في جو ودّي مريح مع مديرهم في مجلسه، ومناقشة مشاكلهم على طعم «الفرني» و«الكستر» ورائحة الشاي والقهوة و«السحلب»!! قد يظن البعض أن هذه مثاليات زائدة على الحاجة ولكن من حضر المجلس الرمضاني الذي استضاف فيه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مدراء الدوائر المحلية ومساعديهم ومسئولي الصف الثاني والثالث وحتى الرابع من موظفي كل دائرة محلية لمناقشة مسيرة عمل الدوائر واستعراض أهم المعوقات والمشاكل التي تقف أمام تطوير العمل سيدرك بالضبط وبشكل عملي الفرق بين المدير والقائد. فبعد التقاط الصور الرسمية وتقديم واجب الضيافة للحضور قام سموه في منظر نادر وفريد، قلّما يفكر فيه حتى من نالوا شهادات الدكتوراه في الادارة، وجلس على الأرض وطلب من كل الحضور الجلوس في حلقة دائرية سادها جو ودّي في ليلة رمضانية مباركة.. الرئيس جلس بجانب المدير والمدير بجانب رئيس القسم كلهم سواسية في تقديم الاقتراحات وعرض معوقات العمل.. وقالها سموه بكل صراحة: جمعتكم لأشكركم أولاً، وأسمع منكم ثانياً.. نحن هنا لنضع حلولاً لكل المشاكل التي تواجهونها.. نحن جميعاً نبني بلداً واحداً ونسعى لتطوير وطننا، ولا يمكن أن نقوم بذلك دون الصراحة والشفافية والإخلاص والنية الصادقة للعمل والتطوير. سموه خلال اللقاء أرسى مبادئ، بل استراتيجيات للعمل المستقبلي، استمع للحضور بمختلف درجاتهم الوظيفية.. حمل في يده قلماً ومذكرة صغيرة وقام بتدوين كافة الملاحظات المطروحة. قد يظن البعض أننا نبالغ أو نجامل ولكن هذا ما حدث فعلاً، وهو ليس غريباً على رجل اختار لنفسه وبلده مكاناً واضحاً، وهدفاً ملموساً، يسعى لتحقيقه.. رجل لا حدود أبداً لطموحاته.. قال سموه بالحرف الواحد: لا أريدكم أن تعملوا من أجل محمد بن راشد، ولا أريدكم أن تعملوا لخوفكم من الرقابة، أريدكم أن تعملوا من أجل شيء واحد فقط: رفعة وطنكم والاخلاص للرقي به إلى أعلى الدرجات. وتطرق سموه لأمور ادارية، وتساءل: من الذي ابتدع عملية ربط الترقيات بعدد سنوات العمل؟ وكيف يمكن ترقية شخص جلس مكانه 20 سنة دون عمل أو إنتاج لمجرد أنه أكمل تلك السنوات؟ الترقية يجب ان ترتبط بالانتاجية فقط، فمن يعمل وينتج يترقى، ومن يريد المحافظة على كرسيه فقط فليجلس مكانه. وحرص سموه في هذه الجلسة أن يستمع للمسئولين من الصف الثاني والثالث، وأعطاهم الفرصة الكاملة للتحدث، وشجعهم بشكل واضح وملموس على الصراحة، قال لهم: لا أريد أن أسمع العبارة الشهيرة المتكررة بتوجيهات المدير العام، أو أوامر القائد العام، أو هذا الانجاز لم يكن ليتحقق لولا المدير العام، أريد أن أسمع وأرى انجازاتكم أنتم وعملكم أنتم، ومجلسي مفتوح لكل من يحمل اقتراحاً جيداً أو فكرة ممتازة تساهم في تطوير العمل. لقد ضرب الشيخ محمد بن راشد مثالاً رائعاً للقائد الحريص على نجاح بلاده، كما ضرب مثالاً أروع في الابتكار والابداع في الادارة الحديثة، وخرج الجميع من مجلسه وهم في قمة السعادة والسرور، جميعهم تلقى جرعة نفسية تدفعه للعمل بمزيد من الاخلاص والتميز في سبيل رقي هذا البلد وخدمة أهله. وكانت المفاجأة الأخيرة لهم عندما طلب سموه عقد جلسة شبيهة مع هؤلاء المسئولين كل ستة أشهر مرة، بعد أن تيقن سموه أهمية هذه الجلسات، وأثرها الايجابي على نفوس الجميع. قديماً قالوا: «الناس على دين ملوكهم» وها نحن اليوم نكرر هذا المثل على مدراء الدوائر ونطلب منهم فتح مجالسهم واستضافة مثل هذه الجلسات الودية لموظفيهم بدلاً من أن يعيث الذباب فساداً في معظم المجالس!! وقبل ذلك نطالبهم بترجمة هذه الطروحات إلى قرارات تنفيذية وتطبيق واقعي، خاصة لمفاهيم الترقيات والحفاظ على المال العام والبعد عن الازدواجية، والتداخل في العمل مع الآخرين، وارجاع الفضل في الانجازات لأهله وأصحابه.