الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 في أول أيام العيد تلتقط العين الكثير من الصور ثم يقع العقل في ابهار الصورة فيصير يقلبها على كافة الوجوه، يعيد فهم مضامينها وايحاءاتها قبل أن تستقر في الذاكرة والوجدان كقناعة، أو كفكرة لا تجد الكثير من الرضا. العيد، عيدية للصغار وإعادة اكتشاف الخارج والآخر بالنسبة للكبار، ونكتشف بأننا مازلنا صغاراً وبأننا مازلنا بحاجة لأن يهبنا الفرح بعض اعطياته، وبأن تهبنا الحكمة بعض فيوضاتها، في اكياسنا وحافظاتنا اشياء كثيرة، نخرجها احيانا كالاطفال، نقلبها، نعدها، ننظر اليها باعتزاز، ثم نخبئوها لأيام العمر القادمات فربما غدت في الآتي وقوداً للمواقد الباردة! ومن أكياس العمر والذاكرة نستخرج هذه الصور: ـ في المشهد الأول تتحرك جماعات من الفتيات والفتيان بثيابهم الجميلة وحليهم وضجيجهم يذرعون الاحياء ويدخلون الى كل البيوت، يسلمون على أهلها، فيعرفهم سكان المنازل، يسألونهم عن أهلهم، عن امهاتهم وجداتهم ثم بحنو ومودة يقدمون لهم العيدية مع دعوات حميمة ندية، فينطلقون الى بيوت اخرى. ـ في المشهد الثاني اطفال أكثر جرأة، ينطلقون بطموحاتهم الى البعيد، فتراهم يقفون عند نقاط تجمع العبارات عند خور دبي، يستقرون في العبرة ويومئون للعبار بأنهم ذاهبون الى الضفة الاخرى.. هل يدرون بأنهم يمارسون رحلة اكتشاف البعيد بطموح طفولي للعيدية، هل يدرون بأنها ستكون اول ما تراكمه الذاكرة حول السفر، والانعتاق من حدود الحي وخوف العائلة واسوار المنزل.. ربما لكنها رحلة الخور القصيرة لن تمر في اعمارهم مرور الكرام. ـ في المشهد الثالث، يدخل اطفال الى المنازل الضخمة والفخمة، فلا يعرفهم احد، ولا يجيدون الحديث بلغة اهل الحي، لغتهم مكسرة، ودخولهم الى المنزل فج وعنيف، صراخهم يسبق كل شيء ويغلب عليه، والكلمة الوحيدة التي يحفظونها ويرددونها بشكل غير لائق: عطونا عيدية!! لا أحب للطفل أياً كان ان يمارس عادة فجة بهذا الشكل، ثم ان العيدية لا تمارس بهذه الطريقة ابداً.. لقد انتهت مشهدية الاطفال الممعنين في طفولتهم وفرحة العيد واحياء طقس العيدية الجميل وبدأت حالة العيدية كاستجداء يمارس بالقوة والصراخ!! العيد بكل مشاهده فكرة عظيمة، سامية والفرح ينبع من دواخلنا، فنحن نصنع سعادتنا وفرحتنا، ونحن من يعيد صياغة مشاهد الحياة من حولنا، لكن السؤال: أمازلنا قادرين على صياغة مشاهد أكثر حميمية ورضا وبهجة؟ اتمنى ذلك فأكياس العمر مازال فيها متسع لتذكارات أجمل. وكل عام وأنتم بخير.