الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 ماذا يمكن أن يقول المعتقلون السياسيون في السجون العربية لبعضهم البعض في مناسبة حلول العيد؟! «كل سنة وأنت طيب» ليست قطعا العبارة الملائمة خاصة وأن المعتقلين السياسيين يستضافون عادة لمدى سنوات ولا يعرف متى تنتهي الاستضافة. مثل هؤلاء لا يجدون فرقا بين ايام العيد وغيرها من الايام مع استمرار التعذيب الجسدي والنفسي. وربما يكون من حسن حظهم انه ليس بوسعهم رؤية مظاهر الاحتفال بالعيد خارج مجتمع السجن. ولذا فربما تكون حالتهم النفسية افضل ـ أو قل أقل سوءا ـ من حالة عائلاتهم. فالزوجة واطفالها الذين يرون مباهج الاحتفال بالعيد على خلفية غياب الاب هم الذين يعصرهم الحزن اكثر من رب الاسرة الغائب. فالزوجة تتحول إلى ارملة مؤقتة ـ وربما مستديمة اذا لفظ الاب انفاسه تحت وطأة التعذيب اليومي ـ والاطفال يتحولون إلى ايتام. المعتقلون العرب والمسلمون في معسكر غوانتنامو الاميركي ـ الواقع في بقعة مستأجرة من كوبا حالة مختلفة ـ إلى الأسوأ. واذ تفصل بينهم وبين اوطانهم آلاف الاميال ولا يرون جريدة ولا يسمعون اذاعة ولا يشاهدون التلفزيون فانهم لا يعرفون ما اذا كان العيد قد حل. ولكن تساءلت مع نفسي ما اذا كانت اعمال التعذيب الروتيني في السجون والمعتقلات العربية تتوقف بمناسبة موسم العيد.. وما اذا كان «الفنيون» الذين يقومون بهذه المهمة يسمح لهم باجازة في هذه المناسبة. اغلب الظن في تقديري ان هناك «ورديات» مناوبة يتبادلون ايام الاجازة والعمل. ويتمدد التساؤل: هل تتوقف القوات الاسرائيلية عن اجتياح الفلسطينيين في المدن والقرى خلال ايام العيد من قبيل احترام المشاعر الدينية للآخر؟ حتى لو افترضنا احتمال توقف عمليات قتل الناس وهدم المنازل فان الحصار لن يفك اطلاقا. وبذا تظل العائلات الفلسطينية بدورها رهن سجن اسرائيلي كبير. وربما لا يضيف موسم العيد إلى الاخوة الفلسطينيين الا مرارة على مرارة. وفي فلسطين في ظل الهدير اليومي للمدرعات وطائرات اف ـ 16 ومروحيات اباتشي فإن اليوم بدهر. الاطفال هناك شاخوا وشابوا فلم تعد «الفرحة» او «البهجة» في مفردات قاموس حياتهم اليومية. وبدون مدرعات وطائرات ومروحيات فان هذا هو ايضا حال العائلات في العراق. هناك تلاشت تماما الطبقة الوسطى فصار اساتذة الجامعات يبيعون مدخراتهم من الكتب والمخطوطات لشراء خبز والاطباء يبيعون اثاثات عياداتهم لشراء ملبوسات مستعملة لاطفالهم. هناك حصار من نوع آخر. وفي الولايات المتحدة يعيش سبعة ملايين عربي ومسلم في حالة سجن طوعي.. فالعائلات تحبس نفسها داخل المساكن في اغلب ساعات اليوم والليلة خوفا من الشارع. ويروي لك العائدون من هناك قصصا: تقلصت الزيارات الاجتماعية بين العائلات خوفا من ان يكون احد اعضاء العائلة الاخرى «مشتبها به» تحت المراقبة.. فيمتد الاشتباه إلى زوار العائلة.. خاصة اذا كانت زيارات متواترة. وصار الفرد العربي او المسلم يتوخى تجنب الصلاة داخل مسجد او صلاة الجماعة في اي مكان. فكوادر مكتب التحقيقات الفيدرالي تشتبه في اي تجمع لمسلمين حتى لو كان من اجل العبادة. ولا ادري كيف يستشعر الفرد العربي والمسلم بهجة العيد وقد رسخت في قلبه مشاعر الخوف حتى باتت جزءا من طبيعة شخصيته. في العالم العربي ليس هناك سبب للفرح الحقيقي حتى في مواسم الاعياد.. فالمواطن العربي يقضي عمرا بأكمله من المهد إلى اللحد تحت عين النسر الامني. في كل بلدان العالم العربي «حالة طواريء»؟.. بعضها معلن وبعضها ضمني. وبذا يعيش المواطن العربي يومه وليلته في حالة خوف من المجهول. قبل بضعة ايام نشرت الصحف قصة اخبارية عن حكم قضائي بتعويض مالي متواضع لابوين عن «اختفاء» ابنهما الشاب طالب الجامعة كعقاب لوزارة الداخلية. جرى اعتقال الشاب أواخر عام 1989. ولكن بعد ان صدر امر بالافراج عنه بعد بضعة شهور فانه لم يعثر عليه في المعتقل. ومن ثم رفع ابواه دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية.. فكان بالتالي حكم القاضي بالتعويض المالي. والسؤال هنا ليس ما اذا كان التعويض مجزيا او غير مجز وانما هو اولا كيف ينتظر القضاء 13 عاما ليصدر حكمه؟ وثانيا، وهذا هو الاهم: أين الشاب؟ كيف اختفى؟ هل هو حي أم ميت؟ ان الابوين سوف يبقيان في انتظار الاجابة إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها. ولا أدري كيف يمكن ان يستشعرا فرحة كلما حل عيد على خلفية ذكرى ابن «تبخر»!