الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 اتخذت الضجة التي أثارها مسلسل «فارس بلا جواد» منحنى مختلفا بعد أن كانت في المقام الأول معركة حول الحفاظ على السيادة الوطنية ضد محاولات التدخل الأميركي والصهيوني. وقد تبدد قدر كبير من التعاطف مع محمد صبحي بعد أن اتضح إلى أي حد تختلف السيرة الحقيقية لبطل المسلسل «حافظ نجيب » عن صورته في المسلسل ، ولما كنت أول من أعاد نشر سيرته الذاتية التي كتبها بنفسه فقد كانت مشاركتي في النقاش الذي دار حول المسلسل تسليط الضوء على السيرة الذاتية للبطل «نشر مؤلف الدراما الكاتب المصري المعروف الأستاذ محفوظ عبد الرحمن مقالا من حلقات ثلاث على صفحات «البيان » بين 8 مارس و 22 مارس 1998 ، وكان عنوانها «حافظ نجيب الذي لا يعرفه أحد ». ومنذ أيام أصبحت قضايا مثل : المواءمة التاريخية، واستخدام «بروتوكولات حكماء صهيون» ، وتحويل سيرة مغامر محتال لبطل قومي ، محور النقاش على نحو جعل الكثيرين يوجهون انتقادات حادة للمسلسل ما بين مؤرخين ونقاد ومفكرين. وعلى شاشة قناة النيل الثقافية الفضائية المصرية دعيت للمشاركة في حوار حول المسلسل كشف بدوره عن جوانب أخرى من الخلاف حول المسلسل وما أحاط به من ضجيج ، لعل أبرزها موقف «المنظمة المصرية لحقوق الإنسان » التي أصدرت بيانا تفاوتت ردود الأفعال إزاءه ، إذ أدان اعتماد المسلسل على «بروتوكولات حكماء صهيون» ، وقد بررت المنظمة موقفها بمبررات سياسية ومعرفية معا. وقد باغتني الإعلامي المعروف جمال الشاعر بسؤال في نهاية الحلقة عما ينصح به المثقفون لنستفيد من التجربة فلا تتكرر أخطاؤها ، وما طرحته ردا على السؤال كان مبدئيا لم يتبلور غير أنه يمكن أن يكون نواة عمل شديد التأثير في مثل هذه التجارب ، إن تكررت. فطالما أن قضية الصدق والاتساق مع الحقائق التاريخية أصبحت المطعن الأكبر على «فارس بلا جواد» فإنها تفرض علينا القيام بجهد لتوثيق سير الشهداء الذين خدموا القضية الفلسطينية وضحوا بحياتهم في سبيلها ، ولعل هذا يشكل استجابة طبيعية لما ورد في كثير من التعليقات الناقدة للمسلسل التي رأى أصحابها أن إنتاج مسلسل عن حياة الشهيد البطل عبدالمنعم رياض مثلا كان أكثر توفيقا. وإذا كان علماء فلسفة التاريخ يرون أن التأريخ للشعوب أكثر تعبيرا عن الصورة الحقيقية لحياة الأمم من التأريخ للحكام ، فإن هذا يصدق بدرجة كبيرة على القضية الفلسطينية التي ضحى لأجلها كثيرون وسطروا بلا مبالغة ملاحم تثير خيال أي مبدع. وقد ذكرني هذا بكتاب مصور اطلعت عليه منذ سنوات يؤرخ للنكبة والمقاومة بالصور ، وورد فيه أن متطوعين من مسلمي البلقان حاربوا على أرض فلسطين جنباً إلى جنب مع إخوانهم الفلسطينيين ، وهي معلومات يمكن أن يؤدي التنقيب وراءها إلى رسم صورة مختلفة للأدوار التي قامت بها أمم كنا نعتقد أنها لم تشارك في المواجهة. وفي الوقت نفسه فإن المكانة السامية لمرتبة الشهيد توجب على أمته أن تبذل ما تستطيع لتخليد عطائه ، وهناك شهداء سجلت سيرتهم الذاتية بقدر كبير من الاستفاضة كالشهيد عز الدين القسام والشهيد عبد المنعم رياض وغيرهما كثيرون. غير أن شهداء آخرين كثيرين يمكن أن نطلق عليهم «شهداء منسيون »، كالشهيد المصري العظيم مصطفى حافظ أحد الآباء الشرعيين لحركة المقاومة الفلسطينية المنظمة في قطاع غزة ، والشهيد الليبي العظيم صالح مسعود أبو يصير أحد أهم أنصار الحق الفلسطيني الذي استشهد في الطائرة المدنية المصرية التي أسقطها العدو الصهيوني وعرفت باسم المذيعة المصرية «سلوى حجازي » التي كانت ضمن ركابها. فإذا تبنت إحدى المؤسسات الرسمية أو اللجان الشعبية في العالم العربي مشروعا لتوثيق ما يمكنها من سير الشهداء لتتكون منها قاعدة بيانات تخدم كتاب الدراما والروائيين والمؤرخين على السواء فسيكون هذا أرضية صلبة لتأسيس أعمال متنوعة يمكن إبداعها اعتمادا على هذه الذخيرة. وطالما أن معركة «فارس بلا جواد » قد عززت قيمة الحقيقة والصدق التاريخي، فإن الأعمال المرئية التوثيقية والتسجيلية تحتاج من يرد لها الاعتبار في توقيت بالغ الحساسية في مسار الصراع العربي الصهيوني. ـ كاتب مصري