الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 إحدى نواقص إعلامنا في العالم العربي تجاهلنا لما يحدث في الدول الأخرى التي تبدو بعيدة عن نطاق دائرة اهتمامنا ما لم يكن له علاقة مباشرة بنا، وهو أمر تحدث فيه الكثير من الخبراء في مجال الإعلام، ولسد تلك الثغرة صدرت توصيات من العديد من المؤتمرات التي جرى عقدها لبحث ما يسمونه دائما بتطوير الإعلام العربي، وبشكل خاص ما كتب وبحث ونوقش في هذا المجال على المستويات العلمية المتخصصة والرسمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن كل تلك التوصيات مثلها مثل كل التوصيات الصادرة عن مؤسسات طوال عقود كان مصيرها النسيان بمجرد طي الأوراق على موائد البحث، وابتعاد كاميرات التليفزيون وعدسات المصورين عن مكان انعقاد جلسات تلك اللقاءات. إعلامنا العربي ـ في معظمه للأسف الشديد ـ يرى أن أي خبر يقع خارج دائرة اهتمامه الأولى، وهي الدائرة العربية، ثم دائرة اهتمامه الثانية وهي الإسلامية، وربما يسبق هذه الدائرة ما يجري في الغرب ومتعلق بشكل مباشر بقضايانا السياسية أو الاقتصادية الكبرى، كالقضية الفلسطينية أو أي قضايا متعلقة بإنتاج وتسويق النفط، وما عدا ذلك من اخبار تكون أولويته لدينا نابعة من الأهمية التي توليها له وكالات الأنباء التي تغذينا بها، وهي في معظمها وكالات غربية، وقليل من إعلامنا العربي من ينجح في الالتفات إلى أخبار وتحليلات تبدو بعيدة جدا عن اهتمامنا المباشر، ولكنها دليل جديد يكشف لنا عن نظرة الآخر لنا، ولأحوالنا ولقضايانا، وتتبعها والاهتمام بها يساعدنا على فهم هذا الآخر لكي نعرف كيف نتعامل معه وكيف نوصل إليه وجهة نظرنا. بعض تلك الأنباء قد تكون محلية جدا في دولة أو عدة دول غربية، ولكنها تتعلق بشكل، قد يبدو غير مباشر ولا تأثير له على علاقته بنا، ولكنه في الحقيقة دليل يساعدنا على فهم ما يجري في الدول الأخرى ويوضح لنا ما يخفى علينا أحيانا من مواقف تبدو غريبة من تلك الدول تجاه قضايا. هذا بعكس الإعلام الغربي الذي يركز علينا دائما، حتى لو تجاهل نشر بعض أخبارنا التي نعتقد نحن أنها مهمة، لذلك يضع في كل عاصمة من بلادنا مراسلا، أو يتعاقد مع وكالات أنباء ـ غربية بالطبع ـ لها مراسلوها المنتشرون في كل مكان لنقل أخبار قد تبدو تافهة لا قيمة لها، كحادث سير مثلا، أو خناقة صغيرة في قرية مجهولة من بلادنا مترامية الأطراف، ولكنه خبر في الحقيقة يصلح في مساعدة المحللين السياسيين بالإعلام الغربي عند تعامله مع قضايانا، أو لمتابعة قضايا كبرى لها علاقة بمصالحه في بلادنا. خصخصة الديمقراطية واعتقد أن غياب مراسلين لوكالات الأنباء العربية في العديد من العواصم الغربية وبالمقابل وجود مراسلين لوكالات الأنباء الغربية الكبرى في بلادنا دليل على ما طرحته من قبل، وهو دليل ليس في حاجة إلى التذكير بأن خبراء الإعلام العربي طرحوه مرارا، وصدرت توصيات كثيرة على مستوى التجمعات الإقليمية العربية كجامعة الدول العربية، أو حتى في إطار دائرة أوسع كرابطة العالم الإسلامي، وغيرها من المنظمات التي نشارك فيها بلا فاعلية حقيقية، لسد هذه الثغرة ولكنها بقيت مجرد توصيات ؟ من الأخبار التي نقلتها وكالات الأنباء ولم يهتم الإعلام العربي، أو على الأقل وسائل الإعلام العربية الرئيسية التي كنت أتابعها خلال الأشهر القليلة الماضية، كان نبأ انعقاد مؤتمر الأحزاب الديمقراطية المسيحية تحت اسم «الأحزاب الشعبية الأوروبية» يومي 17 و18 في مدينة استوريل البرتغالية. معظم تلك الأحزاب المشاركة في هذا المؤتمر تتولى سلطة الحكم في بلادها، أو تمثل الأقلية المعارضة التي تملك إمكانية الوصول إلى الحكم، أي أنها إما توجه سياسة دولها من خلال تأثيرها على الحزب الحاكم، لأنها في موقف يسمح لها بمعارضة أي سياسة بشكل فعال، أو أنها على أبواب السلطة لتنفيذ سياسة تنطبق والشعار الذي ترفعه، وهو شعار مرتبط بالدين المسيحي «الديمقراطية المسيحية»، وأسس قيامها نابعة من توجهات الكنيسة السياسية، ولها علاقات خاصة مع الفاتيكان على الرغم من أنها أحزاب مادية دنيوية في دول علمانية، والفاتيكان يمثل السلطة الروحية. كانت ورقة البحث الرئيسية في هذا المؤتمر الذي عقد على مدى يومين هي «الدستور الأوروبي» المزمع تقديمه لدول الاتحاد الأوروبي ليكون دستورها، أي انه القانون الذي تحكم وتقرر مواده علاقات دول الاتحاد الأوروبي ببعضها وعلاقاتها بغيرها من الدول والتكتلات السياسية الأخرى في حال التصويت عليه وإقراره، أي أن هذا الدستور المستقبلي ستكون له علاقة مباشرة ومؤثرة على علاقات دول الاتحاد بنا كدول عربية مجتمعة من خلال علاقات الاتحاد الأوروبي بجامعة الدول العربية، أو علاقة الاتحاد الأوروبي بتجمعات إقليمية عربية كالاتحاد المغاربي أو الدول المنضوية تحت لواء المتوسطية، أو الأعضاء في رابطة العالم الإسلامي، وحتى الدول الأعضاء في منظمة الاوبك التي تشكل الدول العربية معظم أعضائها. متابعة هذا اللقاء تكشف عن العقلية التي تضع أفكار تلك الأحزاب، وكيف تدس تلك الأفكار في برامجها، وتتسلل بعد ذلك إلى السياسات التي تطبقها تلك الأحزاب عندما تجلس على مقعد السلطة، سواء مع غيرها من الدول الأوروبية الأخرى التي لا توجد معها مشاكل في هذا الإطار، أو مع الدول غير الأوروبية، وبشكل خاص غير المسيحية. أهم النتائج التي يمكن أن يخرج بها من طالع أوراق البحث المقدمة من العديد من تلك الأحزاب التي ترفع شعار «الديمقراطية المسيحية»، وهي أوراق قد تختلف في الصياغة فقط، ولكن المحتوى واحد، يمكن تلخيص النتيجة النهائية في جملة واحدة: «يجب أن يكون دستور الاتحاد الأوروبي مسيحيا»، أي يجب أن يكون قائما على قيم الإرث الديني المسيحي، ويعتمد القيم والمبادئ التي يتعامل بها المسيحيون فيما بينهم، وأن يتم تطبيق هذه القيم على الآخر، بل وفرضها على الآخر إذا كانت المصلحة تستدعي ذلك. نصت ثلاثة بنود من الدستور الأوروبي المقترح من جانب الأحزاب الديمقراطية المسيحية، وهي تمثل حاليا الأغلبية في برلمان الاتحاد الأوروبي، حرفيا على التالي: أولا: «الدول والمواطنون الأوروبيون يجب أن يكونوا على وعي بتاريخهم وارثهم المشترك الروحي والأخلاقي، وقيمهم العامة التي لا تقل التجزئة: الحرية والعدالة والتضامن، وما يرتبط من تلك القيم بإرثها الديني». ثانيا: «كل فرد له الحرية المطلقة في التفكير والوعي والدين، وهذا الحق يعني حريته في تغيير دينه أو قناعته، وأيضا حريته في ممارسة دينه وإعلان قناعته الفردية أو الجمعية، سواء في العلن أو بشكل خاص، من خلال المعتقدات والتعليم والممارسة الفعلية وممارسة الطقوس». ثالثا: «قيم الاتحاد الأوروبي هي قيم من يؤمنون بالله كمصدر للحقيقة والعدالة والصلاح والجمال». الهوية الاوروبية هذه الإشارات الثلاث إلى الديانة المسيحية والقيم المسيحية التي تحاول الأحزاب الديمقراطية المسيحية اعتبارها أساسا في الدستور الأوروبي المزمع صياغته ليحكم علاقات دول الاتحاد ببعضها البعض وعلاقاتها مع الدول الأخرى من خارج الاتحاد ليست فقط هو ما أثير خلال مؤتمر تلك الأحزاب في استوريل، بل هناك ما قيل علنا وفي مؤتمرات صحافية، سواء من أعضاء هذه الأحزاب أو على لسان الرئيس الفرنسي الاسبق جيسكار ديسان باعتباره رئيس لجنة الصياغة المنبثقة عن المجلس الأوروبي(!!). حيث عارض جيسكار ديستان انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كعضو كامل العضوية، ليس من منطلق سياسي أو اقتصادي أو حتى عسكري، ولم يتحدث عن الديمقراطية فيها، بل ركز على دين الإسلام الذي تدين به تركيا على الرغم من علمانية دستورها، واعتبر أن ديانة المواطنين الأتراك بالإسلام هي العقبة أمام انضمامهم كمواطنين في الاتحاد الأوروبي، وطالب ممثلي الأحزاب الديمقراطية المسيحية بالتأكيد على هذا الموقف خلال لقاءاتهم مع زملائهم الأتراك، والتصويت ضد انضمام تركيا للاتحاد. ثم جاءت تصريحات المار بروك عضو البرلمان الأوروبي والمسئول عن تقديم هذه النصوص في رده على سؤال حول انضمام تركيا التي تدين بالإسلام إلى الاتحاد الأوروبي «أن إعلان انضمام تركيا في قمة هلسنكي كان خطأ ومبادرة انتهازية»، أشار بعضهم إلى ما هو اخطر من ذلك عندما قيل ان انضمام دولة إسلامية إلى الاتحاد الأوروبي خطر على هويتها. بالطبع هناك من طالبوا بعدم التأكيد على هذه الهوية المسيحية والنص عليها في الدستور الأوروبي مراعاة لمصالح مستقبلية مع دول أخرى تكون دول الاتحاد في حاجة إليها، ولكن هؤلاء لم يطلبوا التخلي عن الهوية المسيحية في إطار فصل السياسة عن الدين، في إطار إبعاد الدين عن لعبة السياسة ذات المصالح المتغيرة في حالات معينة، وعدم التخلي عن القيم المسيحية في حالات أخرى طبقا لمصالح المواطنين الأوروبيين، وربما كان موقف العديد من أعضاء الحزب الشعبي الإسباني مؤيدا لهذا التوجه، وربما من هنا كان اهتمام الحكومة التركية الجديدة وزعامتها السياسية بدعوة اثنين من الديمقراطيين المسيحيين الإسبان لزيارتها والاطلاع على مدى التقدم الذي أحرزته على طريق الانضمام للاتحاد الأوروبي في إطار سياسي ديمقراطي. بالطبع كل هذه الأسس التي تريد أوروبا ضمها إلى دستورها ليست موجهة فقط إلى تركيا حتى لا تكون الدولة الوحيدة التي تدين بدين مختلف غير المسيحية التي تدين بها دول أوروبا الأخرى، بل موجهة أيضا لتطلعات دول أخرى تطمح إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وأعلنت عن رغبتها هذه، ومنها المملكة المغربية. بالطبع فإن الاهتمام بأخبار عقد مؤتمر الأحزاب الديمقراطية المسيحية، وتحليل المواقف التي تم إعلانها خلال أوراق العمل يمكنها أن تجعلنا على بينة بالمواقف الأوروبية من قضايانا التي تبدو أحيانا مؤيدة أو مغلفة بمسحة التأييد، ولكنها في الحقيقة تنظر إلينا كمعسكر معاد لها، وأن المواقف اللينة نابعة من مصالح خاصة تخشى عليها من إعلان موقفها منا ومن قضايانا صراحة. إنها قضية الإعلام العربي وأولويات اهتمام الإعلامي العربي وكيف تكون وعلى أي أسس، نحن مطالبون بمتابعة كل شئ وأي شئ في إطار إستراتيجية واضحة لأولويات الأخبار التي يجب أن نهتم بمتابعتها سواء بنشرها لتقديم صورة واضحة عن ما يجري حولنا، أو تحليلها لكشف أسرارها، وحتى تكون صورتها في إعلامنا حقيقية وبلا رتوش، ونطالبهم أيضا بأن تكون صورتنا في إعلامهم بلا تزييف. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا