الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 من طبيعة العيد انه يفرض تصالحا غير مشروط مع الحياة في الفترة التي يقضيها زائرا متعجلا. ما ان يأتي فاتحا الباب للشعور بشيء من الفرح والسرور حتى يودع الجميع مؤكداً اهميته في الحالين معا، قبل ان يأتي لان هناك من ينتظر قدومه، وبعد ان يرحل لان هناك من يتمنى لو طال به المقام ليحظى الناس بفرصة اضافية للترويح والاستجمام. وقد كنت اود ان ابقى متصالحة في هذه الفترة الخاطفة من عمر الزمن الذي ذرعناه نقداً وتعليقا على كثير من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية المحيطة بنا. ولكن يبدو ان مصالحة الكاتب مع الناس جميعا امر مشكوك فيه لان هناك دائما شيئا مقلقاً يستحق النقد، وهناك ابداً شيء يستفز الاعصاب، ويستدعي الرد لذا استأذن قرائي الكرام لأمارس جزءاً من طبيعة مهنة الكاتب بعد ان تسبب نقد حاد قرأته في احد المواقع الخليجية على شبكة الانترنت في استنفار قلمي للرد على ما جاء فيه لأني وجدت ثمة خلطاً في المادة المذكورة يستدعي البيان والعرض. ففي ذلك الموقع الخليجي الذي يعد واحداً من ابرز الواجهات الاعلامية الكويتية التي استقطبت نخباً من المثقفين والمفكرين على المستوى الكويتي والعربي كذلك وجدت رأياً توقفت امامه حائرة من النتيجة التي يمكن الوصول اليها فيما لو أصغى المثقفون والمفكرون الملتزمون بقضايا امتهم إلى مشورة الكاتب وأوقفوا تعاونهم مع الإعلام المرئي حتى تتوفر لهم شروط الإبداع في تقديم النص التلفزيوني!! وقد اشار ذلك الكاتب الى فقدان بعض البرامج الجادة المبثوثة على شاشة التلفزيون الى وسائل الامتاع والقدرة على الجذب خصوصا فيما يتصل ببعض المواد الاعلامية ذات المحتوى الإسلامي، مما يؤثر ـ حسب رأي الكاتب الكويتي ـ على مستوى المادة الاعلامية ويجعلها غير صالحة للنشر والعرض التلفزيوني!! وقد اوضح الكاتب رأيه في المادة الاعلامية الصالحة للنشر بأنها يجب ان تقدم في قالب تشويقي يعتمد على تغيير النبرة الصوتية، مع الاستعانة بتعابير الوجه، وتوظيف لغة الجسد في شرح المادة العلمية المعروضة على المشاهد. وقد رأى الكاتب الكويتي ان عدم قدرة بعض علماء الاسلام على امتلاك مهارات الالقاء وفنون الخطابة يجعلهم في مأزق حقيقي، ويرشح اعمالهم للفشل، ويصيب المشاهدين بالملل، ويحملهم على تغيير المحطة التي بها شيخ وقور، تظهر عليه علامات الجد، وينسى ان يغير من طبقة صوته مما يستدعي ان يتوقف مثل هؤلاء الشيوخ عن اكمال برامجهم (الفقهية) ويتركوا الساحة لغيرهم. هذا اذا كان هناك آخرون ينتظرون الفرصة لتأتيهم فينجحون فيما فشل فيه المتحدث الفقيه الذي اتخذه مثلا وان شئت غرضا حسب رأي علماء اللغة الذين يرون ان الغرض هو الهدف والغاية والمقصد وقد بالغ الكاتب في دعوته الى اهمية امتلاك الجودة الشاملة في المادة الاعلامية ذات الطابع الاسلامي بدءا من الالقاء، ومروراً بالمادة، وانتهاء بالنتيجة التي رأى انها يجب ان تكون فوزاً شاملاً مشابها لفوز الداعية (عمرو خالد) الذي اتخذه مثالا على تحقيق النجاح اللافت الذي لا سبق له ولا مثيل!! واذ أوافق الكاتب على اهمية العناية بامتلاك مهارات الالقاء، وإذ اؤيده في ان الاتقان امر في غاية الاهمية الا اني اختلف معه اختلافا جذريا في دعوته الى اعتذار كل من لا يجيدون مهارات الالقاء عن الظهور على شاشة التلفزيون حتى يتسنى لهم تحقيق نسبة 100% التي اشترطها الكاتب المذكور. وبالرغم من وجود قواعد فعالة قادرة على رفع كفاءة المتحدث امام الاخرين الا ان اذواق الناس تختلف هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان طبيعة المادة الاعلامية تفرض نفسها احيانا، فمادة الفقه لا يمكن التعامل معها اعلاميا بنفس الطريقة التي يتعامل بها (عمرو خالد) مع مادة السيرة، والذي لا يختلف احد على امتلاكه لمهارات الالقاء بشكل كبير. كما ان حاجات الناس تختلف وهذه مسألة اغفلها الدكتور الفاضل، وكان بودي لو نالت جزءا من اهتمامه. اضافة الى ان الجودة الشاملة التي اؤكد اني متفقة من حيث المبدأ على اهميتها، وعلى وجوب الاجتهاد في الوصول اليها، لا تقدم مبررا واحدا لاشتراط (الكمال) في المواد الاسلامية المعروضة على التلفاز، في حين ان هذا الجهاز رضي بالصفر الاعلامي مضمونا واداء ونتيجة كارثية برع في تقديمها اشخاص فاقدو الهوية والانتماء الى اي شيء سوى الفكر الذي لا وزن له. ارى ان 60% من النجاح في عرض الموضوعات الجادة من شأنه ان يرفع الرصيد مع المران والتدريب الى 90% وهو خيار أفضل من الانسحاب.