الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 كل عام وأنتم بخير.. «التهاني» هي أبرز وأطيب مظاهر العيد، وأكثر ما يتردد على ألسنتنا وفي اسماعنا هذه الايام، على الرغم من الغمم التي تطبق على اشقائنا في فلسطين والعراق وغيرهما. و«التهاني» ـ لغة ـ اصلها «التهانيء»، ثم سهلت همزتها، وهي جمع «تهنئة»، و«تهنئة» مصدر الفعل «هنأ» «بفتح النون وتشديدها» وقد استعملها المتنبي في استهلال قصيدة لكافور الاخشيدي، فقال: إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء والفعل «هنأ» «بفتح وتشديد النون» هو الذي يستأثر بكثرة استعمال الناس، بينما قل استعمالهم لصيغ الفعل الثلاثي الأصلي: هنأ «بفتح النون»، وهنيء «بكسر النون»، وهنُؤ «بضم النون». وربما كان عزوفهم ذاك بسبب تعدد معانيها. أو بسبب شبهة غموض في أساليب استعمالها، وان كان المتحدثون والكاتبون الواثقون يستعلمونها بلطف ووضوح وبلاغة. في اللغة، اشهر معاني «هنأ» «بفتح النون»: سر. نقول: هنأ الرجل صديقه، أي سره، ومن ذلك الدعاء الجميل: «ليهنئك الولد»، أي ليسرك ويسعدك ولدك. وقد تسهل الهمزة وتبدل ياء، فيقال: «يهنيك»، وتحذف عند جزم الفعل بلام الأمر، فيقال: «ليهنك»، ومن ذلك قول الشاعر: ليهنك الفتح مشفوعاً حسا وزكا وصاحبتك الليالي غضة ضحكا حساوزكا: تعبير معناه: فرداً وزوجاً، أي موحد ومثنى». ومن المعاني الاخرى للفعل «هنأ» بفتح النون»: يقال: هنأ الرجل جاره، أي أعطاه طعاماً أو نحوه. ويقال: هنأ فلان قومه، أي عالهم. ويقال: هنأ القوي الضعيف، أي نصره. ويقال: هنأه الطعام أو الشراب، أي ساغ ولذ له. أما الفعل «هنيء» بالشيء «بكسر النون» فمعناه: فرح به. نقول: هنيء الرجل بقدوم ابنه من السفر. وقد تسهل همزته، فيقال: هني يهنا، كما في قول ابن الفارض: ليهن ركب سروا ليلاً وأنت بهم مسيرهم في صباح منك منبلج ومن المعاني الأخرى للفعل «هنيء» «بكسر النون»: يقال: هنيء من الطعام، أي شبع منه. ويقال: هنيء له الطعام، أي ساغ ولذ له. وهناك الفعل «هنؤ» «بضم النون»، ومعناه: تيسر من غير مشقة ولاعناء، فهو «هنيء» أي متيسر بلا مشقة ولاعناء، وهو أيضاً سائغ لذيذ. وقد تسهل همزته فيقال بالابدال والادغام: «هنيء» ومن التعابير الشائعة، يقال: «هذا أمر اتاك هنيئا»، أي بلامشقة. ويقال: «أكلته هنيئاً مريئاً»، أي سائغاً بلا مشقة أو عناء. ويقال: «هنيئا لك»، أي: ثبت ذلك لك بلا مشقة. ويقال: «هنيئاً مريئاً»، دعاء بالخير للآكل. ويقال: «هنيئا لك كذا أو بكذا»، دعاء وتهنئة بما يفرح. ومن ذلك في القرآن الكريم: «كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون». ومن ذلك أيضاً قول المتنبي مهنئاً بعيد: هنيئاً لك العيد الذي انت عيده وعيد لمن سمى وضحى وعيدا ومن ظريف ماورد «هنيء» فيه من النوادر، ان العتابي طلب من رجل حاجة فماطله، فكتب إليه: «اما بعد، فقد تركتني منتظرا لرفدك، وصاحب الحاجة محتاج إلى: نعم هنيئة، أو لا مريحة». واسم الفاعل من هذه الأفعال: «هانيء» الذي اتخذ اسما مستحباً لبعض الناس، لعل أشهرهم الشاعر ابن هانيء الأندلسي، المعروف بمتنبي المغرب. و«الهانيء» هو المسرور مرتاح البال، وهو الفرح السعيد بالشيء، وهو المعطى طعاماً أو نحوه، وهو العائل للقوم، وهو الناصر لغيره، وهو الشيء المتيسر من غير مشقة، وهو الطعام السائغ اللذيذ. ثم يبقى الفعل الأشهر والأكثر استعمالاً وهو «هنّأ» «بفتح وتشديد النون»، ومعناه: قال له: «ليهنئك»، ودعا له بما يسره «ضد عزّاه». وقد تسهل الهمزة، كما في قول الشاعر: لازلت مستحدثاً نعمي تسر بها على الليالي، ولازلنا نهنيكا لكن أجمل ماوردت فيه كلمتا «التهاني» و«يهني» هو قول الشاعر المصري ابن سناء الملك، مهنئا صلاح الدين بفتح القدس: لاتخص الشآم منك التهاني كل صقع وكل قطر يهنا ويالها من تهنئة..