الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 أكذوبة كبرى يتم التلويح بها ـ بقوة وغطرسة ـ ضد العرب والمسلمين، من جانب محور الشر الأميركي الاسرائيلي، هذه الأكذوبة ترفع لافتة «معاداة السامية» ويسعى هذا المحور الشرير لدمغنا بهذه التهمة الكاذبة لتضاف أيضاً إلى أكذوبة اتهامنا بـ «الارهاب». وقد وجدت اسرائيل ـ عبر معاونة أميركية ـ في المناخ المعادي للعرب والمسلمين ـ منذ الحادي عشر من سبتمبر ـ فرصة لتدس علينا تهمة «معاداة السامية»، وذلك لتسير مع تهمة «الارهاب» جنباً إلى جنب، ومن ثم تحقق لهذه الأكذوبة الصهيونية «مشروعية» دولية أسوة بما حققته الولايات المتحدة على صعيد أكذوبة «الارهاب» ضد كل عربي ومسلم، وتكاد الأكذوبتان ـ الأميركية والاسرائيلية ـ تتلازمان ـ إعلامياً وسياسيا ـ في شكل حملات اعلامية منظمة ومكثفة مقترنة بأدوات الاحتجاج الدبلوماسي. وهنا لا يمكن الفصل بين الضجة التي أثيرت ـ ولا تزال تصطنع ـ حول مسلسل «فارس بلا جواد»، وبين السعي الأميركي الاسرائيلي لترسيخ هذه الأكذوبة ـ ضدنا ـ في الذهن العالمي، فالحملة المثارة لا تستهدف المسلسل بحد ذاته ـ فهو لا يستحق ذلك بعد تهذيبه وقصقصته ـ وإنما تستهدف بالدرجة الأولى تنميط هذه الأكذوبة في أدبيات الإعلام الغربي، وحفرها بعمق في الوعي المعادي للعرب من أجل الترويج لها على أوسع نطاق، حتى يتم تمرير كافة السياسات العدوانية وتبريرها. وتبعاً لذلك لا يمكن الفصل بين هذا الهدف الشيطاني وبين الحملات السابقة التي أثيرت تحت لافتة هذه الاكذوبة، ومن ذلك الحملة التي أثيرت ضد الدكتور غازي القصيبي عندما كان سفيراً للسعودية في بريطانيا، ومنها أيضاً التشهير بصحيفة «الرياض» السعودية التي نشرت في مارس الماضي مقالاً عن فطائر اليهود. وينطبق الأمر ذاته على المحاكمة التي نصبت في باريس لكل من إبراهيم نافع رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» المصرية والكاتب عادل حمودة الذي نشر مقالاً في الصحيفة قبل عامين بعنوان «تورتة يهودية بدماء عربية» فالمستهدف هو الضرب بقوة على نغمة معاداة العرب والمسلمين لـ «السامية» ومن ثم يسهل على محور الشر الأميركي الاسرائيلي وصم أي دفاع عن الحقوق العربية بـ «الارهاب» وبالتالي يمكن تعبئة الرأي العام الغربي عموماً والأميركي خصوصاً بيسر وسهولة ضد العرب والمسلمين، وهو ما نراه ـ حاليا ـ بالفعل في فلسطين، ولكن هذا لا يكفي الأميركان والصهاينة، فهم يريدون تعميم هذا الاتجاه وتعميقه ليشمل كل العرب والمسلمين في مختلف قضاياهم وليس في قضية فلسطين وحدها. وإذا كانت الحملات الصهيونية الأميركية قد تركزت بالدرجة الأولى على مصر والسعودية، فإن هذا لا يمنع من امتدادها إلى دول عربية وإسلامية أخرى في المستقبل. والمؤسف ان من يراقب التوجه العربي العام تجاه هذا الابتزاز لا يجد سوى تراجع أمام هذه الأكذوبة الصهيونية الأميركية، وبالأدق استسلام عربي واقرار بالهزيمة، رغم الكلمات الطنانة التي تقول بغير ذلك، وهذا الاستسلام خطير يضيف إلى قائمة العجز العربي عجزاً جديداً لم ينجح حتى في مواجهة اكذوبة! وسوف يؤدي هذا المنهج ـ بلا شك ـ إلى جعلها «حقيقة» اعلامية يتغنى بها الإعلام الغربي ـ وخصوصاً الأميركي ـ ويتطاول بها علينا كل حين، وذلك على الرغم من أن «معاداة السامية» ابنة البيئة الأوروبية ولا علاقة لنا نحن بها، فقد رفعها اليهود كلافتة في وجه الشعوب الأوروبية لابتزازها وتحميلها المسئولية عما جرى لهم على يد النظام النازي، وذلك في اطار الصناعة اليهودية لـ «الهولوكوست». وقد نجح اليهود ـ على مستوى الغرب ـ في جعل «معاداة السامية» تهمة تلاحق كل من يوصم بها، بل وتحولت الى سيف على رقاب كل المفكرين الذين يحاولون مراجعة الاكاذيب الصهيونية أو يحاولون انصاف الحق العربي وكشف المستور سواء على مستوى علاقة اليهود مع النازي أو فيما يتصل بالمجازر التي يرتكبها اليهود في فلسطين. وتجلى المكر اليهودي في عدم استخدام مصطلح «معاداة اليهود» ورفع وإعلاء شأنهم عبر مصطلح «السامية»، لأن ذلك يمنحهم تمايزاً عن الشعوب الغربية فهي شعوب غير سامية، ولو أنهم استخدموا مصطلح «معاداة اليهود» لما كان لهذا المصطلح وقع التقديس الذي يتمتع به الآن مصطلح «معاداة السامية» لأن القول بـ «معاداة اليهود» كان سيفتح عليهم صفحات التراث والتاريخ والعقل الباطن الأوروبي الذي يربط اليهود بكل الشرور ويضعهم في صورة أقبح من صورة الشيطان. ولأن اليهود يدركون جيداً أن العرب «ساميون» فإن التلويح بهذه التهمة لم يجد معهم فيما سبق، ولذا حرصوا على استثمار اكذوبة «الارهاب» الاميركية المرفوعة كالمطرقة فوق رؤوسنا، ونجحوا في المزاوجة بين الاكذوبتين «العداء للسامية» والدمغ بـ «الارهاب» وقد وجد الأميركيون في هذه المزاوجة مصلحة لهم فوثقوا الصلة. وأمام هذه الهجمة الشرسة فمن واجبنا نحن العرب ان نتصدى لها ونرفضها تماما، فنحن أولاً «ساميون» وثانياً أصحاب حق في مقاومة اسرائيل، فهم يحتلون أرضنا ويدنسون مقدساتنا ويقتلون أهلنا في فلسطين، فليس عيباً أن نجاهر بأننا ضد اليهود وسياساتهم وممارساتهم في فلسطين، ولنا في القانون الدولي ومقررات الأمم المتحدة ومقررات مؤتمر «ديربان» سند قوي، فمؤتمر «ديربان» اعتبر الصهيونية حركة عنصرية. أما الاستسلام لهذا الابتزاز فيعد خسارة كبرى ليس لنا فقط بل لكل شعوب العالم ومثقفيه، فهؤلاء عانوا من نفس الابتزاز لاكثر من نصف قرن، وحاول كثير منهم التمرد عليه، إلا ان الصهيونية نجحت في قمعهم وعزلهم مثل المفكر الفرنسي رجاء جارودي والمؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج. وقد وجدت قطاعات كبيرة من الشعوب الأوروبية في الانتفاضة وما صاحبها من مجازر صهيونية فرصة في التمرد على هذا الابتزاز الصهيوني وتحطيم أكذوبة «العداء للسامية» ومن هنا يمكن أيضاً الربط بين هذا التمرد وبين تصاعد الهجمة الصهيونية ـ مؤخراً ـ ضدنا نحن العرب، فهي تصور مقاومتنا لها «ارهابا» وتروج لاكذوبة «العداء للسامية» لكي تلجم اللسان الأوروبي وتعيده إلى القفص، ولكي تكسر حلقة التعاطف الأوروبي التي تنمو تجاه القضية الفلسطينية والحق العربي وسوف تحقق ذلك في حالة استسلامنا الكامل ـ نحن العرب ـ للابتزاز الصهيوني بأكذوبة «العداء للسامية» وكأن اسرائيل والحركة الصهيونية تقول للأوروبيين وغيرهم ان العرب هم «الساميون» استسلموا لـ «شرعية «أكذوبة» «العداء للسامية» فلا مجال أمامكم وأنتم غير الساميين للتمرد على هذا الاتهام. ونحن إذا كنا قد فشلنا حتى الآن في التصدي لهذا المخطط الصهيوني الشيطاني مثلما فشلنا في التصدي لاكذوبة اتهامنا بـ «الارهاب» فليس أمامنا خيار سوى المجابهة والرفض لكل أشكال هذا الابتزاز المزدوج لكي ننقذ أنفسنا وأجيالنا القادمة من ان يتحولوا إلى أشخاص خاضعين للأكاذيب الصهيونية وحتى لا تتحول بلادنا الى سجون واسعة يحاكم فيها كل من تتهمه اسرائيل بـ «العداء للسامية»، مثلما أصبحت بلادنا ـ الآن ـ مفتوحة أمام الأميركان لتصفية كل من يشتبه بأنه «ارهابي» لأننا عندئذ سنذبح تحت لافتة «العداء للسامية» مثلما يتم ذبحنا ـ هذه الأيام ـ تحت لافتة «الحرب ضد الارهاب».