الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 كان بيرم التونسي شاباً متعطلاً يبحث عن مكان في بدايات القرن. وكان يجلس على مقهى قريب من مسجد أبي العباس المرسي. وكان معظم رواد المقهى من العميان، وكان بيرم يحب التنصت على أحاديثهم، ولاحظ حماسهم الشديد لمطرب شاب اسمه سيد درويش. وبدأ بيرم يهتم باسم هذا «المطرب». ولم يخطر على باله أنه لم يكن مطربا، بل لم يكن يملك صوتا جميلا. وإن لم يمنعه هذا من أن يغني طوال حياته القصيرة، وأن يسجل أغانيه على اسطوانات. وذات ليلة يجد بيرم الرواد العميان في حالة استنفار شديد، ويكتشف انهم سيذهبون الى أحد المقاهي لسماع سيد درويش. وكانت المقاهي في ذلك الوقت من نشاطها تقديم المغنين الى الرواد. والذين يتابعون الأفلام المصرية القديمة سيلاحظون هذه الظاهرة، وأذكر هؤلاء بما رأوه عن «جروبي» وهو مقهى له طابع أجنبي وكان يقدم أشهر المطربين، بل كانت تقام فيه حفلات «الدانس» أي الرقص الغربي. وبالطبع انتهت هذه الظاهرة في «جروبي». وفي الأسبوع الماضي كلمني صديق لم أره منذ عشرين عاما ظل طوالها في الخارج، وكانت المرة الأولى التي يعود فيها، وأسر إليّ انه لم يعد يميز الأماكن ولا الشوارع. وبحثنا في الذاكرة عن مكان يعرفه لنلتقي به، فلم نجد سوى «جروبي»، ولا أذكر متى كانت آخر مرة دخلته، لكن التغيير كان هائلا، وآثار الزمن واضحة. واخذنا نتأمل المكان في دهشة. ونقارن بين ما نرى وبين مانحتفظ به في ذاكرتنا. وفي النهاية قلت في حكمة ان الأماكن كالأشخاص تتغير، وأنه اذا ما وجدنا مكانا أصابته الشيخوخة، فهذا لا يعني عدم وجود أماكن اخرى جميلة، وربما فاقت في تميزها أماكن زمان. ولكن لا الأماكن القديمة ولا الجديدة تقدم المغنين كما كانت تفعل مقاهي زمان، والتي خرج منها عظماء أهل المغنى. ومن بينهم سيد درويش. ولما وجد بيرم الرواد العميان ينصرفون دفع حسابه بسرعة، وتبعهم الى المقهى المقصود. وكان من حقك ان تجلس وتسمع اذا ما طلبت مشروبا. وجلس بيرم في نهاية المقهى، فهو غريب عن المكان، وليس له اصدقاء فيه، وعامة لم يكن لبيرم أصدقاء. وصعد سيد درويش، أو «السيد درويش» كما كان اسمه آنئذ: شاب قوي البنيان في الثالثة والعشرين من عمره، كأنه مصارع. وربما اكتسب قوته هذه من الاعمال البدنية التي اشتغلها، فلقد كان عامل بناء لفترة. ولقد عمل السيد درويش في أعمال كثيرة، وكاد أن يحترف تصليح أقلام الحبر، وكان بارعا في ذلك. لم تكن هيئة السيد درويش هيئة مطرب، ولا كان صوته صوت مطرب، لكنه اثار الاعجاب بأغانيه. أما بيرم فلقد جلس يسمع مسحورا بهذا المغني الجديد الذي يعبر بصدق عما يغنيه، والذي يقدم موسيقى جديدة كأنك سمعتها لألفتها، ويعجز عن تقليدها العباقرة. وانهى المغني عمله، وانصرف المستمعون، وانصرف المغني. فتبعه بيرم صامتا، ولم يكن بيرم ثرثارا في أي وقت. توقف السيد درويش ونظر اليه. عرف بيرم نفسه له: بيرم التونسي! فتح له السيد درويش ذراعيه وأخذه بين أحضانه. هل كان ذلك لأنه قرأ أو سمع ازجاله، أو لأن شيئا جذب كلاً منهما الى الآخر. هذا الذي نسميه أحيانا تلاقي الأرواح، ونسميه احيانا «الكيميا». ولو انك راجعت الظاهرة ستجد عشرات تآلفت معهم من أول لقاء، واخرين لم تستطع حبهم مهما فعلوا ومهما حاولت. ولا أظن ان العلم اكتشف سبب هذه الظاهرة، وإن حاول ذلك. وفي محاولاتي التي من الممكن احالتها الى العلم انك تعرف فلانا وان لم تره، فإذا التقيتما كانت هناك مقدمة تجمعكما. حدث هذا معي مثلا مع علي أبوشادي الناقد السينمائي، كنت أتابعه بإعجاب، فلما التقينا لأول مرة تحدثنا كما لو كنا نكمل حديثا بدأ منذ عشرين عاما. لكن هذا ليس التفسير الوحيد. كنت أعرف صديقين لا يجمع بينهما شيء على الاطلاق. احدهما صعلوك يتكسب القليل من الفن، فهو يكتب احيانا ويمثل احيانا، ويعمل في الانتاج احيانا اخرى، ونظنه ذا موهبة، وان كان يهرب من الاعمال التي تتطلب جهدا حقيقيا، فهو يصرف طاقته كلها في جلسات الكلام. أما صديقه فهو مهندم الثياب، انيق، يعمل مهندسا وحياته منظمة جدا. وذات يوم سألتهما عما جمع الشامي على المغربي، رغم يقيني ان الشامي لابد أن يجتمع مع المغربي لأسباب قصة قومية. لكنه المثل الشائع، وفوجئنا بأن الاثنين انفجرا في الضحك. قاوما فكرة ان يحكيا كيف تعرفا، ولكن الماضي كان قويا. قال الصعلوك انه كان قد قام بعمل مجهد على غير عادته استمر نحو شهرين. وذهب ليتقاضى اجره. وفوجئ بهروب صاحب العمل في اجازة طويلة، وكانت كارثة. فالعيد على الأبواب، ومطلقته تريد مصاريف الاولاد وصاحب الغرفة التي يسكنها يريد الايجار المتأخر. و الاولاد يريدون «العيدية» و.. و. وسار في الشوارع حتى أتى الليل. وكان الجو شتاء باردا ومع ذلك أخذ يسير على شاطئ النيل غير مبال ببرودة الجو. واصطدم حذاؤه بعلبة مشروب فارغة، وضربها بقدمه كأنها كرة. وما ان سار خطوات حتى وجدها عند قدميه، فضربها مرة أخرى. وكان المهندس عائدا من بيت خطيبته. حيث أعلنت له اسرتها أن خطبتها له طالت، وانه لم يلب طلبات العروس. ولذلك فهم مضطرون للأسف لفسخ الخطبة. حاول ان يعالج الامر. عرض عليهم تلبية رغباتهم بعد فترة قصيرة، ولكنهم رفضوا بشدة. ولما ادرك ان كرامته لا تحتمل إلحاحا أكثر، ترك البيت وانصرف. لكنه عند الباب رأى رجلا ثريا من أسرتهم. ولما كان انبهار العاطفة قد زال عنه. اخذ يجمع تفاصيل الاحداث ويضعها في ترتيبها الصحيح، فعرف دون ان يخبره احد ان الرجل الثري طلق زوجته منذ وقت قريب، وأراد الزواج من خطيبته. وان اسرتها - وربما هي ايضا - قارنوا بين ثراء قريبهم وظروف الخطيب، فاختاروا الثراء. وسار في الشوارع على غير هدى حتى اظلمت الدنيا، ووجد نفسه في الزمالك على شاطئ النيل. ورأى احدهم يقذف علبة المشروب الفارغة بحذائه. فشاركه، وأخذا يضربان العلبة ويضحكان. وفجأة ظهر لهما شرطي يتهمهما بإزعاج الناس. وقادهما الى القسم للتأكد من شخصيتيهما. ولم يكن بينهما غاضب. كانت التجربة مثيرة وممتعة. كانت جراحة لتزيل آلامهما. وباتا في القسم حتى الصباح يتحدثان. ووجد كل منهما انه أقرب الى الآخر من أي شخص آخر. وكان من المتوقع أن يخرجا في الصباح، فهما ليس متهمين بأي شيء انما هو مجرد اشتباه أو كما يسمونه في هذه الأماكن «تحري». ولكن صباح اليوم التالي كان يوم عيد، ولذلك شغل الضباط بأعمالهم، وهكذا قضى «الصديقان» العيد في الحبس. وضحك الصعلوك وقال لصاحبه انها ليست أول مرة، فلقد قضى عيدا من قبل في الحبس. وضحك المهندس الوقور، وقال انه أيضا خرج في مظاهرة وهو في الجامعة. وأمسكوا به وقضى العيد في الحبس. وهكذا بدأت صداقة حميمة دون معرفة سابقة، ودون تشابه في تكوين الشخصية. هناك «شيء ما» غامض يجمع الناس من أول نظرة. أو يفرقهم من أول نظرة، أردت أن أكتب عنه حتى لا أكتب عن العيد. لكنني لم أستطع أن أهرب تماما، فالصديقان قضيا العيد في الحبس نجانا الله من شره، ونجانا من كتابات المناسبات!