الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 السؤال الذي يطرح بشأن التقرير المفصل الذي نشرته حكومة توني بلير عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق، ليس ما اذا كانت الوقائع العديدة التي اشتمل عليها التقرير المكون من 23 صفحة حقائق ام اكاذيب او انصاف حقائق مع مبالغات، ولكن السؤال هو: لماذا العراق بالذات من بين كل الدول العربية الاخرى، واسرائيل ودول العالم الثالث؟ ولماذا نشر التقرير الآن؟ على ان السؤال الاكبر هو: الى متى ترتضي آلة الحكم في بريطانيا لنفسها ان تبقى مجرد مكتب علاقات عامة للسلطة الاميركية؟ يحصي التقرير البريطاني واقعة تلو واقعة في احداث التعذيب الجسدي والنفسي بكل اشكاله وفنونه في السجون والمعتقلات العراقية، بالاضافة الى الاعدامات الجماعية والفردية دون محاكمة، ليخلص واضعوه الى دمغ النظام العراقي الحاكم بالبربرية والى ان انتهاكات حقوق الانسان في العراق ليست من اعمال اشخاص يتصرفون حسب اهوائهم الذاتية وانما هي «السياسة المعتمدة للنظام». ربما تكون هذه فعلاً سياسة معتمدة في العراق ولكن أليست هي نفس السياسة المعتمدة في انحاء اخرى من العالم العربي؟ فلماذا انتقاء الحالة العراقية دون غيرها؟ وهذا السؤال يتبعه بالضرورة سؤال آخر: لماذا استقصدت بريطانيا نظام الرئيس صدام حسين الآن عند بدايات الألفية الثالثة وتحاشت استقصاده في الماضي؟ ان هذا السؤال الثاني ينبثق من بين سياق التقرير البريطاني نفسه، ففي سرده لوقائع التعذيب يرجع بنا التقرير الى وقائع يقول انها حدثت خلال النصف الاول من ثمانينيات القرن الماضي، لكن التاريخ لم يسجل اي احتجاج بريطاني حينئذ بشأن اوضاع حقوق الانسان في العراق، على العكس من ذلك فإن بريطانيا كانت آنذاك ـ جنباً الى جنب مع الولايات المتحدة ـ في مقدمة حلفاء النظام العراقي وهو يخوض حرباً ضروساً ضد نظام الثورة الاسلامية الخمينية في ايران. ومن عجائب الصدف ان صدور التقرير البريطاني بشأن الانتهاكات في العراق يتزامن مع تقرير من منظمة اسرائيلية لحقوق الانسان ينتقد الممارسات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني فكيف تعتمل مشاعر الغيرة لدى الحكومة البريطانية على حقوق الانسان في العراق فتدفعها الى تأليف تقرير مفصل ونشره على الملأ، بينما لا تهتز للحكومة البريطانية شعرة وهي ترى ـ كما يرى العالم بأسره ـ الانتهاكات اليومية الفاضحة لحقوق الانسان في فلسطين على ايدي الاسرائيليين، حكومة ومستوطنين؟ التقرير الصادر عن منظمة «بتسليم» الاسرائيلية لحقوق الانسان يهاجم الحكومة الاسرائيلية في تفريطها العمد في توفير حماية كافية لأصحاب مزارع الزيتون الفلسطينيين من هجمات المستوطنين اليهود الذين اتلفوا حصاد هذا العام بأكمله في الضفة الغربية، علماً بأن اكثر من 70 ألف اسرة فلسطينية تعتمد على محصول الزيتون في كسب قوتها اليومي. ان الحكومة البريطانية لا تلتزم السكوت الاجرامي لا على ممارسات المستوطنين اليهود فحسب، بل تسكت ايضاً على ممارسات الحكومة الاسرائيلية نفسها تجاه الفلسطينيين. والا فما الذي يمنع حكومة بلير من اصدار تقرير بشأن آلاف المعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية وما يتعرضون له من عمليات تعذيب تقشعر منها الابدان على نحو ما يرد في تقارير منظمات حقوق الانسان العالمية؟ وفي تقريرها عن العراق تقول الحكومة البريطانية ان ثلاثة او اربعة ملايين عراقي ـ اي نحو 15 في المئة من السكان ـ فضلوا الهرب من ديارهم، ولكن لماذا لا تتحدث الحكومة البريطانية عن ملايين اللاجئين من الفلسطينيين الذين لم يهربوا من ديارهم طوعاً بل اجبروا قسراً على الهرب بواسطة الاسرائيليين؟ ونتساءل من ناحية اخرى: هل كانت مغادرة اولئك الملايين من المواطنين العراقيين أرض بلادهم بسبب نظام صدام حسين أم بسبب التجويع وشظف العيش والبؤس العام الذي خلفه حصار 11 عاماً تسهم فيه بحماسة وتعمل على اطالة امده الحكومة البريطانية في تواطؤ كامل مع الولايات المتحدة؟ انه ليس من العسير ادراك الدافع الحقيقي للحكومة البريطانية من وراء نشر تقرير يهدف الى اشانة النظام العراقي، فالتقرير صدر قبل ستة ايام من الموعد النهائي المحدد لبغداد لتقديم قائمة كاملة بما قد يكون او لا يكون لديها من اسلحة الدمار الشامل الى لجنة التفتيش الدولية، وعلى هذا النحو فإن الهدف من نشر التقرير هو تهيئة الرأي العام في بريطانيا والعالم للانتقاص من المصداقية العراقية مقدماً. لقد امر بوش بالتقرير.. فانصاع مدير علاقاته العامة بلير للأمر!