الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 مضى أكثر من عقد منذ أقلعت مسيرة التسوية العربية الاسرائيلية بمؤتمر مدريد في نهاية أكتوبر 1991. خلال هذه المدة تقلب على سدة الحكم في اسرائيل ستة رؤساء للوزارة. ثلاثة منهم كانوا من حزب العمل (رابين وبيريز وباراك) وإثنان من حزب الليكود (شامير ونتانياهو)، بينما شكل آخرهم أرييل شارون حكومة إئتلافية من الحزبين مع سيطرة واضحة للقوة المسماة باليمينية. على مدار هذا التوالي، لم يصدر عن اسرائيل ما ينم بالقول أو بالفعل عن موقف فارق واعد، باتجاه التزحزح عما يعرف بثوابت السياسة الاسرائيلية في معالجة القضايا النهائية على مسار التسوية الفلسطينية بالذات. كل الحكومات المذكورة بمكوناتها الايديولوجية والسياسية تمترست خلف مجموعة اللاءات الشهيرة التي دفعت بعملية التسوية الى دائرة المراوحة في مربعاتها الأولى: لا لحدود 1967، لا لوقف الاستيطان ناهيك عن إزالته، لا للسيادة الفلسطينية في القدس، لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين وبخاصة منذ عام 1948، لا لدولة فلسطينية «ذات سيادة حقيقية»، لا للسيطرة الفلسطينية على الموارد المائية حتى في حدود 1967.. الطبع والتطبع حقا كانت هناك فروق بين شطري المجال السياسي الاسرائيلي إزاء حيثيات التسوية الفلسطينية، لكن ذلك عادة ما تعلق بالحواشي والهوامش والنقاط الفرعية وليس بالأصول والمتون الجوهرية. ولذا تصورنا، مع كثيرين دون ريب، أن سقوط حكومة شارون والدعوة الى الانتخابات العامة في اسرائيل لن يثير التناظر القديم الممل والمستهلك حول احتمالات حدوث تحول لافت في سياسة التسوية الاسرائيلية إذا ما قدر للقوى العمالية الصعود مجددا للحكم. بل وذهبت بنا الحسابات المنطقية الى ما هو أكثر مدعاة لهجران هذا التناظر في الرحاب العربية والفلسطينية، وذلك بالنظر الى هشاشة مركز هذه القوى وعلى رأسها حزب العمل ذاته في الحياة السياسية والحزبية داخل اسرائيل، بحيث يكاد وصولها الى الحكم أن يكون بحاجة الى معجزة تحول توجهات الرأي العام المصطف بمعظمه خلف الليكود ومحازبيه من القوى الارهابية القحة. لقد حسبنا أن المراهنين تقليديا من العرب على تحولات الداخل الاسرائيلي سوف يبرأون هذه المرة من مرضهم المزمن. لاسيما وأن حكومة شارون قدمت عرضا اضافياً لتلاحم مختلف أطراف العملية السياسية في اسرائيل، واشتراكهم جميعا في خندق التصميم على فرض مفهوم السلام الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني عبر أدوات القوة العارية. غير أن متابعة المناقشات العربية ذات الصلة أثبتت حقا أن الطبع يغلب التطبع.. وهكذا تلصص الى الفضاء الفكري النظري والسياسي العملي العربي مجددا من يود بيع بضاعته المزجاة حول التأثير الحاسم للداخل الاسرائيلي على مضمون «التسوية العادلة»، ويدعو الى رفع أسهم حزب العمل وفرصته في المنافسة الانتخابية نحو الحكم من خلال اجراءات معينة ينبغي أن يتخذها العرب عموما والفلسطينيون بخاصة. وللحقيقة، كان أصحاب هذا النداء يطرحونه في البداية على استحياء بسبب معرفتهم بابتذاله وتكراريته وثبوت خيبته لغير مرة.. ولكن صعود عميرام ميتسناع الى رئاسة حزب العمل بخطابه إزاء التسوية، الذي يحسبه الظمآن ماء، منحهم على ما يبدو طاقة كبيرة جددت جرأتهم على إعادة بسط بضاعتهم بلا مواربة كدأبهم في الجولات السابقة. ولكن ما هي لمسة ميتسناع الذهبية التي أعادت للساحة العربية جدلا مقيتا وخطابا لا يخلو من زيف؟ قال الرجل إنه يؤيد - في حال وقعت معجزة وصوله لرئاسة الوزارة - إخلاء مستوطنات قطاع غزة، واستئناف التفاوض حتى مع عرفات لترسيم الحدود مع الفلسطينيين في غضون عام واحد. وإن لم يحدث الاتفاق المطلوب فسيعمل على ترسيم خط هذه الحدود من جانب اسرائيل وحدها بحيث تقع مستوطنات الضفة الى الغرب (أي ضمها لاسرائيل!). وسيتبنى موقفا يضمن عدم بقاء سكان القدس العرب تحت الحكم الاسرائيلي. تجديد الوهم حسنا، ما الجديد في هكذا برنامج؟ أي متابع للأحداث عن كثب وروية يعرف أن مستوطنات غزة محكوم عليها بالموت جفافا.. وهي منذ اندلاع انتفاضة الأقصى أصبحت شبه خالية وليس لها أكثر من وظيفة تفاوضية فضلا عن كونها ثكنات عسكرية في بطن القطاع بأكثريته السكانية الفلسطينية، التي تمنى إسحق رابين ذات يوم أن يصحو فيجدها اختفت في البحر! أيضا لا جديد فارق في نية التفاوض من حيث انتهت كامب ديفيد، وطابا قبيل الانتفاضة. فهذا التفاوض يمكن أن يمتد لمئة عام طالما لم يحتكم لمرجعية واضحة كقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة أو إعلان مسبق بقبول الانسحاب الى حدود 4 يونيو 1967. ولا أدل على خبث ميتسناع من حديثه عن ترسيم الحدود من جانب واحد بحيث تتضمن اضافة مستوطنات الضفة الى اسرائيل. ولا ندري لماذا يتجاهل المرحبون به هذه النقطة التي تفصح عن حدود أهداف التفاوض حول الاستيطان في إدراك الرئيس الجديد (الحمامة!) لحزب العمل؟.. ولا يقل عن ذلك مدعاة للدهشة إغماض العين عن التباس مفهوم عدم بقاء السكان العرب في القدس تحت الحكم الاسرائيلي. فهذا المفهوم قابل للتحقق بصيغة ما حتى مع وجود الحكم الاسرائيلي للقدس المدينة.. بمعنى أنه يمكن إيكال حكم السكان العرب وتحويل السيادة عليهم لجهة غير اسرائيلية، مع التمسك بالسيادة الاسرائيلية على المدينة. خطاب ميتسناع هو الطبعة الأخيرة المنقحة من إيديولوجية حزب العمل التي تعتمد زخرف القول وتجيد المراوغة، فالرجل يستهدف تحسين صورة اسرائيل عربيا ودوليا بدون أن يتحرك بعيدا عن أي ثابت من ثوابت المفهوم الاسرائيلي للتسوية. وهو نجح بأسرع مما يتصور أنصاره في تصدير حالة من القلق والتضارب الى المحيط العربي. ومن آيات ذلك، أن يتخذ بعض العرب من وعوده، التي يسهل نقدها ونقضها وإثبات فضفاضيتها وغموضها، متكئا وركيزة للمطالبة بوقف الانتفاقة للتعجيل بوصوله للحكم! لا يسمح هذا المقام بالإطناب والتفصيل حول خطأ التعاطي العربي مع تطورات وتقلصات الداخل الاسرائيلي وعلاقة هذه الظواهر بالفعل المقاوم. لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن توقف هذا الفعل في حمأة الحملة الانتخابية الاسرائيلية سيمثل تزكية لمعسكر شارون لا العكس. فاستمرارية المقاومة وضرباتها الموجعة برغم تضحياتها الجسيمة، هي التي أفسدت نظريته الأمنية وأفشلت حسابات حكومته.. وتواطؤ قادة العمل مع هذه الحسابات هو الذي أدى الى صعود ميتسناع وإزاحتهم. فاذا توقفت المقاومة الآن، فسوف يدعي شارون أنه نجح في وعوده ولو بشكل متأخر بعض الشئ. وفي كل حال، من أراد إيقاف المقاومة عليه أن يطرح لذلك أسبابا أخرى غير التمسح بتفاعلات الداخل الاسرائيلي على النحو السطحي، الذي يعلق آمالا على ميتسناع وصحبه. فقدسبق لأساتذة ميتسناع أن حكموا اسرائيل بأغلبية مريحة برلمانيا ولم يتصارعوا لخيار السلام أو التسوية الأقرب للعدل، فكيف الحال بهذا الزعيم المستجد الذي يعتلي حزبا مريضا بداء الشيزوفرانيا، وذلك في مرحلة تؤشر كل معطياتها الى انعدام فرصته للحكم؟! وبالمناسبة، لو تمكن شارون والذين كانوا معه من حزب العمل من هزيمة الانتفاضة ودحر المقاومة، لكان ميتسناع أول من رفع لهم القبعة! ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة