الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 حياة الانسان تساوي طرفة عين، ومهما طالت فهي لحظة من لحظات القرون بالمعنى القرآني، ومضة من الكون الاعظم. ولكن حين اراجع شريط حياتي اجد كثيراً من آيات انتصار الانسان حينما ينفذ أمر الله سبحانه وتعالى بالكدح: «يا أيها الانسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه» الانشقاق، وإلى جانب فضيلة الكدح هناك فضيلة الصبر، وهما جناحان للايمان حتى ينتصر الحق على الباطل. فقد ولدت في مدينة القيروان بالبلاد التونسية وفتحت عيني وانا طفل على ملحمة التحرير في تونس والجزائر، وكانت الامبراطورية الفرنسية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية والقوة النووية الكبيرة تجثم بكل ثقلها العسكري والسياسي والترهيبي على المغرب الاسلامي كله، وحين هبت الشعوب من رقدتها في الخمسينيات تغيرت الموازين وقبل ابناء المغرب الاسلامي كل التضحيات.. وكان تحرير الجزائر كالحلم بعيد المنال بل كالمعجزة، وكنا نتحلق اطفالاً حول الراديو لنسمع اذاعة صوت الجزائر التي تبث من تونس ونتابع اخبار العمليات الفدائية ثم الاعمال الانتقامية القمعية وكان الثوار بضع مئات في الجبال.. وجاء النصر، وخاب «الواقعيون» القاعدون، اولئك الذين يحسبون حساب القوة المادية وحدها غافلين عن جوهر الامة اي رصيدها الايماني ومحرك التاريخ. ثم انتقلت من الطفولة إلى الشباب الاول ففتحت عيني على ملحمة فيتنام: شعب صغير يقوده زعيم اسطوري ضد اكبر قوة غاشمة على وجه الارض: أميركا، بعد انتصار نفس ذلك الشعب الفيتنامي على فرنسا عام 1954. كانت طائرات البي 52 تصب قنابل النابالم وقنابل الغازات السامة والاسلحة الكيميائية على حقول وقرى فيتنام، وترتكب المجازر مثل مجزرة قرية «ماي لاي» الشهيرة.. وكان الثوار الفيتناميون حين يسقطون طائرة اميركية يحولون هيكلها إلى مدرسة لاطفال فيتنام. ملحمة رائعة وانتهت بمعجزة النصر ورأينا عام 1974 الاميركان وعملاءهم يفرون من مدينة سايجون تاركين كل شيء. ومرة اخرى خاب «الواقعيون» وسقطت «الواقعية» امام اصرار شعب حالم.. وكما قال استاذنا محمد حسنين هيكل فإن الحلم غير الوهم، ولابد ان يتحول الحلم إلى حقيقة. معجزة ثانية تلك التي انجزها شعب فيتنام وكنا شباباً عرباً نكتب القصائد وننظم المظاهرات ونساند فيتنام ونصطدم بالمؤسسة الرسمية التي كانت تدعونا إلى «الواقعية» آنذاك. وحين تقدم بي الشباب شوطاً في السبعينيات، عشت مع جيلي قضية التمييز العنصري في جنوب افريقيا، آخر معاقل الاستعمار البشع في آخر مظاهره العرقية. مظلمة تاريخية كان بطلها نيلسون مانديلا في غيابات السجن، وكنا نحلم بالنصر: نصر الاغلبية الساحقة من السود المضطهدين على الطاغوت الابيض العنصري.. كانت كذلك ملحمة كالمعجزة.. هل ينتصر هؤلاء الحفاة العراة المسلحون بالعصي والحجارة على دولة عصرية بلغت اعلى مراتب التكنولوجيا بدباباتها وطائراتها وكلابها البوليسية المدربة؟! هل يتحقق النصر؟ وكنا طلبة عربا نخرج في مظاهرات بشوارع باريس وطالما ضحك علينا «الواقعيون» او اشفقوا علينا في احسن الحالات. وجاء النصر وفتح العالم عيونه ليرى مانديلا رئيسا للدولة.. ثم انسحب من السلطة ولم يتشبث بها برغم رصيده، ورجع مكافحاً كادحاً كأي مواطن. ثلاث معجزات ارادها الله وارادتها الشعوب المناضلة كالآيات التي تضرب امثلة الصمود والتصدي.. ولو ذكرنا الملحمة الرابعة لطال الحديث وتشعب لانها ملحمة انهيار امبراطورية الشيوعية السوفييتية ولكن لنا معها لقاء آخر.. ولنكتف بهذه الانتصارات الكبرى الثلاثة التي تحققت بفضل الايمان بالله والثقة بالانسان خليفته في الارض والذي امر القرآن بتكريمه. وانا على ثقة تامة شاملة من اني سأعيش انتصار الملحمة الفلسطينية وقريباً باذن الله تعالى.. لانه بعد البأساء والضراء والزلازل كما جاء في الآية 214 من سورة البقرة سيأتي النصر القريب (الا ان نصر الله قريب) فهلم نحلم ايها الشباب العربي المعتز بكبريائه بأننا احفاد اولئك الذين صنعوا التاريخ وكانوا بعض رجال من الصحابة الابرار إلى عهد الفاتحين وصلاح الدين، كوكبة مؤمنة حالمة بانتشار المجد وارتفاع الهامة وخفق الراية.. فاليوم وفي هذا النفق المظلم من عسف الثلاثي: شارون ونتانياهو وموفاز وسقوط الشهداء.. نرى ذلك البصيص من النور في نهاية النفق: «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون» التوبة ـ 32 ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر