الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 لأن سكان الصين يشارف عددهم المليار وثلث المليار من البشر - فقد زاد أعضاء الحزب الحاكم في ذلك المارد السياسي الآسيوي عن ألفي مندوب.. بالتحديد بلغ عدد المندوبين من الرفاق الذين جاءوا إلى اجتماع الحزب في منتصف نوفمبر الماضي 2114 مندوبا وكانت أجندة العمل المطروحة أمامهم طيلة الأيام الثلاثة التي استغرقتها مداولاتهم تدور حول اختيار قيادة جديدة تدير شئون هذا الماموث السكاني الضخم وتدبر أمور معاشه وأمنه وحياته كلها. ثلاثة مواقع قيادية تشكل ركائز السلطة الثلاث في الصين هي الحزب والدولة (الحكومة) ثم جيش الشعب - القوات المسلحة. لم يكن صدفة أن القيادة السابقة (هل نسميها القديمة) آثرت أن تتنازل للقيادة الجديدة عن موقعي الحزب والحكومة فيما اختار الرئيس جيانج زيمين أن يحتفظ بقيادة القوات المسلحة في خطوة قال عنها المراقبون: ان زيمين تنازل عن الوظيفة دون أن يتنازل عن السلطة. استمع أعضاء الحزب المجتمعون في العاصمة بكين إلى تقرير جامع من 68 صفحة (باللغة الصينية طبعا) استغرق القاؤه ساعتين وحاول فيه الرئيس زيمين أن يلخص إنجازات قيادته وتوليه مقاليد الحكم على مدار 13 سنة منذ وفاة زعيم التجديد الاسبق دنج هيسا وبنج وأوجز فيه صاحب التقرير إنجازات ولايته في عبارة قال فيها: لقد شهدت السنوات الثلاث عشرة الماضية قفزة مجيدة خطتها الصين على خريطة الإصلاح والإنفتاح والتحديث. فتش عن الفساد ولكن ولأن زيمين كان يخاطب عقليات سياسية فقد حرص على أن يصارح رفاقه من أعضاء الحزب بالمشاكل والعقبات التي ما برحت تصادف مسيرة التنمية والتحديث في بلاده ولم يكن صدفة أن كان «الفساد» على رأس قائمة المشاكل التي ضمت أيضا مشكلة التباين في الحظوظ الاقتصادية للسكان ومشكلة البطالة التي صاحبت معدلات النمو المرموقة التي أحرزتها بكين. وفيما توقف المهتمون بالشأن الصيني عند ما عرضه الزعيم زيمين وهو يسلم مقاليد الحكم ، فقد أثارتهم أيضا نبرة المصارحة أو هي نقد الذات التي يتدربون عليها في مدرسة الكادر في الاحزاب وفي إطار هذه المصارحة لم يتورع الزعيم الصيني عن أن يقول بغير مواربة ولا تزويق: أيها الرفاق: إذا لم نضرب بيد من حديد على أيادي الفساد والمفسدين ، فإن وشيجة الدم واللحم التي تربط بين الحزب والجماهير سوف تتصدع ويصبح الحزب في خطر أن يفقد موقعه الحاكم في البلاد بل وربما يجد الحزب نفسه متجها إلى حيث الدمار الذاتي. الجيل الرابع مع هذا كله ، فثمة عبارة ظلت تتردد في أروقة المكان وتكاد تحلق مثل كائن أثيري غير منظور في إجتماعات الهيئة العامة للحزب الصيني وما أنبثق عنها من حلقات ولجان.. العبارة تقول باللغة الصينية: ديسيداي. ومعناها في العربية: الجيل الرابع ودلالاتها تشير إلى الجيل الاحدث.. من زعامات وقيادات الصين التي تسلمت مقاليد البلاد منذ منتصف شهر نوفمبر خلال مناسبة إجتماعات الحزب التي المحنا إليها هذا الجيل الرابع جيل المحدثين «المعاصرين يمثل جيل الشباب ولكن بصورة نسبية من جهة وعلى طريق سياسات الصين من جهة أخرى. هو جيل شبابي ولو بحكم فرق العمر بين الزعيم الذي سلم الراية زيمين وعمره 76 سنة وبين الزعيم الذي تسلم القيادة بالأمس القريب - هو جنتاو وعمره 59 سنة. وتتحقق النسبية أيضا من خلال المقارنة بين زعماء الصين (الشيوعية) وزعماء الإتحاد السوفييتي (الشيوعي ـ السابق طبعا) وخاصة جيل كوسيجين وبرجنيف وأندروبوف الذين كانوا قد طعنوا في السن ومن ثم تحولوا إلى ما يشبه كائنات متاحف الشمع وكانت أكبر خطاياهم السياسية هي تجميد - بل تحنيط النظريات والسياسات والطروحات والافكار إلى حد تطويع الواقع بكل معطياته الحيوية ليتفق مع النظرية المستقاة من مقولات ماركس أو إنجلز أو من أفواه لينين أو ستالين أو بالطبع ليونيد بريجنيف. إجتهادات الزعيم ماو ويحسب للصين - حتى منذ أيام زعيمها الأكبر والأول «ماوتسي تونغ» أنها اختارت سبيلا فريدا في التطبيق يتفق مع واقعها وظروفها كمجتمع آسيوي تسلمه ماو ورفاقه مثل شوين لاي ولين بياو وتشوشي ودنج هيسا بنج نفسه - مجتمعا متخلفا ريفيا وفلاحيا يتطلع إلى عصر جديد فيما يتمسك بتقاليد الأسلاف وبتراث في الحكمة والفلسفة يعود إلى أيام فيلسوف الصين الأكبر كونفوشيوس. ويحسب للصين أيضا منذ ما بعد ماو أنها ظلت تجرب طروحات جديدة ولم تحبس نفسها ولا سجنت تجربتها في سجن النظريات ولا لجأت إلى دوغما المقولات الحزبية التي لا تلبث أن يعتريها التكلس بمرور الزمن. ويحسب للصين كذلك أنها وعت - فيما يبدو - عبرة رأس الذئب الطائر.. بمعنى أنها وعت جيدا درس إنهيار وزوال الإتحاد السوفييتي ، وقد ظلت على خلاف معه في كل حال منذ أواخر عقد الخمسينيات وكان خلافا نظريا وفكريا وعقائديا وتطبيقيا بقدر ما كان صراعا - بالتنافر - بين الزعامات والقيادات في كل من موسكو وبكين. ورغم أخطاء عديدة إرتكبت فقد جاء عقد التسعينيات ليشهد الإتحاد السوفييتي وقد أصبح في خبر كان فيما شهد الصين ـ الجديدة نمرا آسيويا «بحق» ونقول «بحق» بمعنى أن نمور جنوب شرقي آسيا الأخرى إجتاحتها من أول ضربة عاصفة إنهيار العملات فأكدت بذلك مدى هشاشة تجربتها فيما جاءت تجربة النمر الصيني محصلة جهود انمائية مرموقة حيث حققت معدلا في التنمية كان يقارب نسبة 13 في المئة سنويا ولم تعد المسألة محصورة في الاعجاب النظري المسجل في دفاتر الإحصاءات بل أصبحت مسألة منظورة ومحسوسة حيث باتت أوساط اقتصادية ودوائر شتى في أنحاء متفرقة من العالم تشكو من اغراق أسواقها بمنتوجات السلع الصينية من كافة الانواع ولمختلف الإستخدامات ـ قد تكون أقل نوعية من منافستها الغربية أو اليابانية وقتها في كل حال أزهد ثمنا وأيسر مثالا. لا عجب أن ترفع الصين في مرحلتها الأخيرة - الآنية - شعار «الديمقراطية الاشتراكية في الداخل على أن يواكبه شعارات مستجدة مثل التحديث واقتصاد والتوثيق أو المصالحة بين الماركسية وبين قوى السوق (وهو شعار يكاد يرادف القول بالتعايش بين الماركسية، والرأسمالية) فضلا عن شعار يقضي بتغيير مواثيق وركائز الأيديولوجية الصينية بما يسمح بمشاركة وتشجيع الإستثمارات الفردية والمشاريع الرأسمالية ولدرجة يقول معها الكاتب السياسي الاميركي «جوزيف كاهن»: بعد 20 عاما استغرقتها مرحلة الانتقال والتحول ، إستطاع الحزب الشيوعي الصيني أن يغير إهابه ويتحول هو نفسه. لقد انعقد المؤتمر رقم 16 للحزب الحاكم في الصين الذي أصبح عمره الآن 81 عاما حيث عمد الحزب إلى تغيير دستور البلاد وبعدها أعلن الحزب مؤخرا انه أصبح يمثل القوى التقدمية الثلاث (بعد أن كانت اثنتين) وهذه القوى هي العمال والفلاحين وقد أضيف إليهما الرأسمالية (التي حرص مؤتمر الحزب على أن يطلق عليها صفة رأسمالية أصحاب المشاريع أو منظمي المشاريع بمعنى الرأسمالية المنتجة وليست الرأسمالية الطفيلية أو المستغلة). يضيف الكاتب الاميركي (ملحق نيويورك تايمز السياسي الأسبوعي بتاريخ 10112002 قائلا: تلك كانت أشجع خطوة اتخدها الحزب الحاكم في الصين منذ أن تحول عن الاشتراكية الأرثوذكسية (التقليدية) في أواخر السبعينيات وقد تجلى هذا كله في الشعار الذي أعلنه رئيسها الذي تقاعد مؤخرا زيمين حين قال: كل دخل مشروع ، سواء من عائد العمل أو خلافه ينبغي حمايته. بين البيزنس والحزب وفي دراسة تحليلية أخرى نشرها «جوزيف كاهن» بتاريخ 411 عرض الكاتب الأميركي إلى رجل الاعمال الصيني «واكيجانغ» الذي يعيش في يسر ورخاء في هونغ كونغ (القلعة الرأسمالية الأمامية للصين كما قد نسميها) ويقول عنه ما يلي: رجل الاعمال المذكور يملك مزرعة ، كروم ومصنعا لإنتاج موتورات اليخوت البحرية في الصين وله أعمال تجارية في أميركا وقد أوفد نجله للدراسة في ولاية بنسلفانيا وبعد هذا كله فرجل الاعمال الصيني المذكور وليس غيره يسدد كل ما عليه تجاه دولة الصين من مستحقات وهو يدفع نسبة 3 في المئة من إيراده الخاص السنوي إلى خزانه الحزب الشيوعي الحاكم في الصين. مع ذلك - يؤكد مراقبو الحالة السياسية في الصين أن قياداتها الجديدة سوف تبذل قصاراها من أجل مزيد من الإصلاح لكن دون أن تقوض الأسس المحورية - الركائز الأساسية التي تقوم عليها تجربة الصين التي بدأها الآباء المؤسسون للدولة والحزب منذ انتصار الثورة الصينية واعلان دولتها في عام 1949. يقول الباحث الصيني «جينا ينغ زا» وهو زميل بمركز الدراسات الآسيوية بجامعة رايس بالولايات المتحدة: ان قائد الصين الجديد «هو جنتاو» لن يعود بالصين طبعا إلى أيام ماوتسي تونغ ولكنه لن يأخذها إلى حيث تصبح طبعة صينية من حكاية ميخائيل جورباتشوف. والمعنى الذي يشير إليه الكاتب الصيني هو أن روح الواقعية ومحاولة التفاعل مع المتغيرات العالمية سوف تدفع جيل الصين الحاكم الجديد إلى مواصلة الإصلاح ولكن بقدر معقول وإيقاع محسوب أو على حد قول الباحث الصيني ـ سوف تتحرك الصين إلى الأمام في الفترة المقبلة ولكن قد يتم ذلك بمنطق التراكم (وليس بمنطق القفزة النوعية) وقد تكون المسيرة في خطوط متعرجة ذات منحيات هنا أو هناك وليس في خط مباشر محدد أو مستقيم. مفكر صيني يتكلم مع ذلك ، فليس لامرئ أن يستهين بالمتغيرات التي استجدت على مسرح السياسة والحكم في هذا البلد الكبير الذي يقع عند أقصى الشرق من الكرة الأرضية يكفي أن اجتماعات الأيام الثلاثة التي التأم عقدها في قاعة الشعب الكبرى في بكين - القاعة التي تخلو من النوافذ ولكن تغطي جدراتها الواح الخشب المنضد الثمين وتلمع عن ثنايا الجدران صفحات الرخام الناصعة البياض فيما تتسع القاعة لنحو الفين وخمسمئه من كراسي المخمل الوثيرة التي جلس عليها المندوبون ـ هذه القاعة هي التي أدخلت إلى مسرح الاحداث الكبرى في الصين مجموعة الجيل الرابع ـ جيل الحكام الجدد.. الديسداي كما يعرفهم الناس و«الديسداي» بالمناسبة هو الاسم الذي اختاره سياسي صيني مخضرم يوصف بأنه واسع وعميق الإطلاع على الأسرار - أو دخائل في كواليس الحزب الحاكم بالصين عنوانا لكتاب خطير أصدره باللغة الصينية حيث اتخذ السياسي ـالحزبي ـ الكاتب اسما مستعارا هو «زونغ هايرين» ولدى ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية إستعدادا لإصداره في نيويورك في أواخر شهر نوفمبر أتيح للكاتبين الأميركيين أندرو ناثان وبروس غيللي الإطلاع على مخطوط ترجمة الكتاب ومن ثم كتابة تقرير مسهب عنها على شكل بحث مهم نشرته في عددين (سبتمبر وأكتوبر 2002) مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس ومن خلال اطلاعنا، بدورنا، على الدراسة المستفيضة للكاتبين الأميركيين وكلاهما مشتغل بالبحث والتدريس الأكاديمي في ميدان العلوم السياسية بجامعتي كولومبيا وبرنستون في أميركا ـ يمكن أن نسجل النقاط الأساسية التالية: أن قادة الصين الجدد مصممون بالفعل على السير ببلدهم الكبير على طريق التجديد والتحديث بمعنى دمج الصين في الإقتصاد العالمي وتطوير أساليب إدارة السياسة والاقتصاد بشكل منفتح وعلمي ومستنير .. مع ذلك فهم يدركون أن التغيير مسيرته صعبه وتستوجب في نظرهم الإمساك جيدا بمقاليد السلطة وعدم التهاون مع أي انشقاق عن الحكم الشيوعي في بكين بمعنى ان التحديث في نظرهم عملية تقتضى سلطة حازمة لوضعه موضع التنفيذ.. أن هذا الحزم تجلى في السلاسة الواضحة التي تجلت في عملية نقل السلطة من الجيل المخضرم ـ الحرس القديم إلى جيل الشباب ـ الرابع، كما أصبح موصوفا من المراقبين والمحللين، وترجع هذه السلاسة السلمية كما قد نصفها لا إلى مجرد روح التفاهم أو الايثار أو حتى التعقل والرصانة بقدر ما ترجع إلى أن المهارة الفائقة في أعداد مسرح الاحداث وفي التمهيد لعملية الإنتقال حيث شهد العامان الماضيان عمليات اختيار القادة الجدد للصين - على الفرازة كما يقول التعبير المشهور. ان هذه الخيارات لم تنطلق من مجرد الولاء والاخلاص للقيادات التي تخلت عن مواقعها ولكنها انطلقت كذلك من حسن تطبيق التعاليم التي سبق إلى بلورتها زعيم مسيرة التجديد الراحل «دنغ هيساو بنغ» الذي طرح منذ 20 عاما مقولته الشهيرة عن «التحولات الأربعة» ومؤداها أن تؤدي التحولات السياسية إلى أن يتولى مستقبل الصين الجديدة قيادات تتسم بالصفات الأساسية التالية: أن تكون ثورية وفي سن أصغر (المسائل هنا نسبية طبعا) ولكن على قدر أوسع من المعرفة وقدر أكبر من التخصص على مستوى الخارج، من المتوقع أن يحرص ويعمل قادة الصين الجدد على بلورة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة ولكن في إطار سياسي ودبلوماسي أوسع نطاقا بحيث يشمل أيضا أوروبا وروسيا وفي نطاق هذه التوجهات سيعمل القادة على بقاء سيطرة الصين في بلاد التبت وعلى مواصلة مطالبات الصين الإقليمية بالنسبة إلى تايوان، على مستوى الداخل، من المتوقع أن يسمع العالم عن انتخابات ديمقراطية بمعنى تنافسية ومفتوحة في الصين وفي حلبتها يتنافس المرشحون المؤهلون على تولى المناصب النافذة الكبرى في مستويات الحكم العليا وحتى مستوى حكام الأقاليم وكما الشئ ـ كما يقولون ـ هو لزوم الشئ ، فإن هذه الحرية التي لابد وأن تتاح لديمقراطية الإنتخابات التنافسية على المناصب الكبرى لابد وأن تقتضى جرعات أكبر ومنافذ أوسع ومساحات أعرض من حرية الصحافة والميديا (الاذاعة والتلفزيون) والمهم أن الذي يقود هذا الإتجاه نحو المزيد من الديمقراطية النيابية هو السيد بي روهوان «البالغ من العمر 68 سنة وهو من أركان الحزب الشيوعي وقد بدأ حياته نجارا وارتقى في مواقع العمل السياسي والجماهيري إلى أن أصبح عمدة لإحدى المدن المهمة وهو يواصل صعوده السياسي إلى حيث يؤهل لتولى منصب رئيس البرلمان في فبراير من عام 2003 المقبل وتتركز أنظار المراقبين على نزعته الليبرالية برغم سنه المتقدم نسبيا. ونحسب أن هذه الوعود الإنتخابية قد أنطلقت من حسابات صحيحة ورؤية صائبة وناقدة أيضا تصارح القوم في إطارها بأن جماهير الصين لم تعد مشدودة برباط الاعجاب العقائدي الذي كان إلى كوادر الحزب الشيوعي الحاكم. والسبب يدفع إلى تكرار السؤال الشديد الالحاح في الصين وفي العالم الثالث وفي اليابان وأميركا إضافة إلى نظم وحكومات وأقطار أخرى ـ والسؤال هو: لماذا أصبح الفساد ضاربا اطنابه إلى هذا الحد المخيف ؟ وإلى الجزء المتمم لهذا الحديث إن شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر