الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 في العيد يستيقظ الحلم الجميل، وتمتلئ الروح بمشاعر غاية في الشفافية والنقاء، ويتلفت المرء يمنة ويسرة باحثا عمن يبادله ابتسامة نابعة من قلب مفعم بالرجاء، والرغبة في ممارسة الحياة بطريقة عفوية لا تصنع فيها ولا رياء!! في العيد تستيقظ النفس من غفوتها، ويبدأ العقل في التخطيط لكيفية استثمار وقت الاجازة وسط اجواء اجتماعية تعمل على تحسين مؤشر الاحساس لدى الفرد باقاربه وارحامه واصدقائه، بعد ان انخفض ذلك المؤشر لشهور طويلة قضاها راكضا خلف المهمات الطارئة، والواجبات الكثيرة التي فقد معها قدرته على تحقيق اتصال فعال بينه وبين دائرة العلاقات الاسرية والاجتماعية التي جاء العيد ليمنحها فرصة للعمل من جديد. بهجة العيد اننا نستطيع ان نتواصل مع من نشاء، والعيد يشفع لنا في هذه الجرأة وذلك الاصرار على تحسين علاقاتنا بالآخرين حتى لو كانت تلك العلاقات قد شابها بعض الضعف والتوتر. فليس هناك فرصة كالعيد يمكن ان يمارس من خلالها الانسان قدرته في السيطرة على انفعالاته السلبية، وادارة افكاره بطريقة ناجحة لايكون فيها للشحناء والعتاب مكان. وها هو العيد اقبل يحيينا بتحيته الخاصة، وعلينا ان نرد التحية بمثلها، ونجاهد في ان نؤديها ببهجة تتناسب مع تلك الصحوة التي شعرت بها الكائنات، واحس بها الوجود وها هي الشمس تمد خيوطها الذهبية لتصافح تلك الوجوه الصغيرة التي تعاهدت فيما بينها على ان تستيقظ صبيحة يوم العيد وهي تسابق الديكة لتمتطي صهوة الريح مسرعة بالانضمام لصفوف المصلين في يوم العيد السعيد. ومن حماسهم نتعلم ان المرء لا يستمتع بالحياة الا اذا اغتنم الفرص المتاحة له، تماما كما يغتنمها هؤلاء المسارعون لاستلام غنائمهم الصغيرة، والحصول على مكاسبهم المادية من الابوين والاهل. وليس لسرعتهم في اغتنام الفرص المتاحة مثيل او شبيه، فقد قهروا التردد، وهزموا الخوف، وصمموا على نيل ما يعتقدون انه حقهم الطبيعي بسرعة ودون ابطاء أو تأخير. لقد اخذوا غنائمهم الباردة كاملة غير منقوصة او مخصوم منها اية ضريبة، الا ضريبة العاطفة الكبرى التي يحملها الاهل لهذه البراعم الصغيرة والتي بدورها ضاعفت مقدار (العيدية) وجعلتهم في ايام العيد ابدع المستثمرين للعواطف والظروف في آن واحد. وحين نؤكد على انتصار الاطفال في تحقيق اهدافهم المشروعة في العيد، نتساءل عن اهداف الكبار ومدى قدرة اصحابها على تحقيق نفس النجاحات والوصول الى نتائج مشابهة لنتائج ابنائهم؟! بل قبل ذلك ماهي طبيعة تلك الاهداف التي جلبها العيد الى رؤوس الكبار، وما مدى جودتها واهليتها لان تكون اهدافا يوظف العيد لتحقيقها والوصول اليها؟! ثم ماهي الاهتمامات التي تصنع الاهداف وتجعلها قبلة لاصحابها الذين آثروها على ماسواها من البدائل والاختيارات؟ هذه الاسئلة وغيرها يطرحها العيد على الناس، ويلح على ان يحظى باجابة شافية حولها!! ولان العيد يغذي فينا الاحساس بالآخرين ويخلصنا من الارتماء وراء الاهداف الضيقة التي تكون فيها (الأنا) هي المحور والهدف الاول والاخير، فمن الطبيعي ان جودة الاهداف تتحقق حينما تأتي متوافقة مع مطالب الانتماء الحقيقي الى المجتمع حيث يقترب الناس اكثر من تحقيق انسانيتهم كلما مدوا ايديهم، وصافحوا حاجات الناس وسارعوا في تحقيقها. وما من عافية كعافية النفس، ولا من سعادة كسعادة العطاء، ولا من سكينة او شعور بالرضا الا حين يتحرك الانسان نحو غيره وليس له من هدف الا التعاون معه واشعاره باهميته لديه. وبينما تتراخى همة بخلاء المشاعر عن تقديم الابتسامة يسارع اسخياء العاطفة في تسجيل اهداف ثابتة في مرمى القلوب. لقد اصبح العيد ميدانا فسيحا لممارسة العاطفة الذكية. وكل عام وأنتم بخير