الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 ويأتي العيد.. ومع قدومه نقول كما تعودنا وتعودت ألسنتنا «كل عام وانتم بخير» ولكننا نقولها اليوم بصدق لا لمجرد انها عادة روتينية ولا من باب (جبر الخواطر) فبعد وقفة موضوعية اعدنا فيها تقييم مواقفنا.. موقفا موقفا.. اكتشفنا ان كل ما بنا وما حولنا بخير، ووجدنا ان التشاؤم امر لا داعي له.. لانه يجلب النكد.. ويؤدي بنا الى الغم والاكتئاب في وقت نحن احوج ما نكون فيه الى الفرفشة والنعنشة.. والى الفرح والانشكاح.. قبل ان يدركنا الصباح.. فنسكت ـ لا قدر الله ـ عن الكلام المباح! نعم.. نحن بخير.. ننظر حولنا فنجد ان بلادنا العربية ـ باستثناء فلسطين.. وبعض الكيلومترات من سوريا.. وبعض الكيلومترات من لبنان ـ مازالت عربية، لم تحتلها اسرائيل حتى ساعة كتابة هذه السطور، ولم يتحول سكانها الى لاجئين حتى الآن! نعم.. مازالت الارض العربية ـ باستثناء ما ذكرنا ـ بتتكلم عربي، ومازالت الاعلام العربية الزاهية ترفرف على كل الارض العربية ـ باستثناء ما سبق ذكره ـ ومازال الناس في كل بلد عربي يحتفلون ويفرفشون ويوزعون الكعك والحلوى عندما يهل كل عيد، والاكثر من ذلك مدعاة للطمأنينة والتفاؤل ان العرب على امتداد الارض العربية مازالوا يتذكرون ان (اسرائيل) كان اسمها في يوم من الايام (فلسطين) وان (الجولان) كانت في يوم من الايام جزءا من (سوريا).. وان (مزارع شبعا) في جنوب لبنان كانت فيما مضى تتبع (لبنان)، وهي ذاكرة يحسد العرب عليها على اي حال!! نعم كل عام ونحن بخير، فمازال الانسان العربي متمتعا ـ رغم انف الحاسدين ـ بحقوق لا يصح له ان يتبطر عليها.. متمرغا في نعم يتمنى الكثيرون بعضها! على سبيل المثال.. مازال من حق الانسان العربي ان يمشي في اي شارع من شوارع بلده دون ان يمنعه احد، ومازال من حق الانسان العربي ان يدخل مطعما.. اي مطعم.. وان يطلب اي كمية يشاء من الكباب او من سندويتشات الفول والفلافل دون ان يعترض رغبته احد، ومازال من حق الانسان العربي ان يشتري قميصا او اكثر.. وان يختار اي مقاس يريد دون ان يكون هناك قانون يفرض عليه هذا المقاس او ذاك، ومازال من حق الانسان العربي ـ اعلاميا ـ ان يشتري هذه الصحيفة او لا يشتريها.. وان يشاهد هذه القناة التلفزيونية او تلك.. وان يتابع هذا المسلسل اولا يتابعه بل واكثر من هذا فانه يستطيع ان يغير قناة التلفزيون اثناء اذاعة نشرة الاخبار الى قناة اخرى تعرض فيلما او اغنية فيديو كليب دون ان يتعرض للتحقيق او المساءلة!! عشرات الحقوق مازال الانسان العربي يتمتع ـ والحمدلله ـ بها، لا يقلل من شأن ذلك او من قيمته اعفاؤه من بعض الحقوق التي ـ لا تودي ولا تجيب ـ والتي مشاكلها اكثر من منافعها.. والتي هي في واقع الامر دخيلة على مجتمعنا ذي القيم الخالدة والتقاليد العريقة، كحقه في التعبير عن رأيه علنا.. او حقه في التظاهر تضامنا مع هذا الشعب او ذاك.. او استنكارا لموقف من مواقف حكومته الرشيدة التي ـ ولاشك ـ تعرف اكثر مما يعرف.. وتسعى لمصلحته دون ان يدرك ذلك او يقدره، او ما يدعي البعض من حقه في ان يختار حاكم بلده او نائبه في البرلمان، وكذلك حقه ـ كما يقال ـ في ان يعامل كبشر له وجود وكيان!! عشرات الحقوق مازال الانسان العربي يتمتع ـ بكل حرية ـ بممارستها، باستثناء تلك الحقوق المزعومة، فهي بدعة.. وكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار!! ايها الانسان العربي المحظوظ.. تمتع بحقك في الاكل.. وحقك في المشي.. وحقك في الفرجة على برامج التلفزيون واختر بنفسك (دون اي تدخل من السلطة) الفيلم الذي تريده.. والمسرحية التي تحبها، تمتع بحقك في الزواج وحقك في التناسل، ولا تتنازل ابدا عن حقك في مشاهدة كل او بعض مباريات الكرة.. او حقك في تشجيع هذا النادي او ذاك، وبعد كل هذا لا تعقدها بالطمع في المزيد من الحقوق ، فالقناعة كنز لا يفنى..، ولا داعي للبطر والمطالبة بالمزيد.. فنحن في عيد.. وكل عام وانت بخير.! كل عام ونحن بخير.. ولا تلق بالا الى المتشائمين الذين دائما يقلبونها غما ونكدا، فيقولون لنا ان كل رغيف نأكله يكون اكثر من ثلثيه مستوردا.. واننا بكل ثرواتنا البشرية والطبيعية وبكل شعاراتنا واصواتنا العالية لا ننتج سوى الثلث الباقي او اقل، ونحن بدورنا نقول لهم بحكمة وهدوء: وماذا في ذلك؟ الا يدعونا ذلك الى الفرح والتفاؤل لاننا لا نستورد الرغيف كله؟ ثم اننا بصفتنا مستوردين لكل هذا الكم الغذائي من الدول المتقدمة نمسك بزمام رقبة اقتصادها.. ونستطيع من موقعنا الاستبراري الصلب هذا نستطيع ان نوقع الدول المصدرة لنا في (حيص بيص) اذا قررنا يوما ان نستبدل رغيف الخبز هذا بالجاتوه والبسبوسة، يومها ستركع هذه الدول جاثية مستعطفة لانها لن تجد غيرنا مستوردا لقمحها ولمعلباتها، وستجد نفسها مضطرة للاستجابة لكل ضغوطنا ومطالبنا حتى نرأف بحالها ونقرر العودة لاستيراد ثلثي الرغيف منها مرة اخرى! وحتى لا تواجهنا مشكلة توافر الجاتوه والبسبوسة بالكميات اللازمة لانجاح مثل هذه الخطة الوقائية، فانه يجب ان نركز في خططنا الخمسية القادمة على انشاء شبكة ضخمة من مصانع الجاتوه والبسبوسة مع العمل على نشر الوعي الجاتوهي والبسبوسي بين افراد الشعب العربي.. ولن تقصر اجهزة اعلامنا النشيطة في العمل على ذلك! المشكلة الوحيدة التي قد تواجهنا في هذا المشروع الجاتوهي البسبوسي هي اننا ـ مرة اخرى ـ سنحتاج الى استيراد ثلثي الدقيق اللازم لذلك من الخارج!! ألم اقل لكم افرحوا.. وغنوا.. واحتفلوا بالعيد؟.. وكل عام وانتم طبعا بخير!!