الخميس 1 شوال 1423 هـ الموافق 5 ديسمبر 2002 أقبل العيد محملاً بكنوز هداياه للمخلصين من أبناء أمتنا، والذين لم يتسلل إليهم يأس أو قنوط، وفي وجوه المرجفين سدت أبواب قلوبهم، ولم يبصروا سوى أفق النهوض والخلاص، واكتحلت عيونهم بمرأى النصر الآتي مشرعاً على أجنحة الثبات على الحق، والتصدي لمزاعم وافتراءات ومظالم هولاكو العصر ومن يلفون لفه، ويلتحقون بطابور الطغاة الآفلين. وعلى كثرة ما جار به طواغيت العصر على امتنا، الا ان العيد لم يفقد وضاءة وجهه، ولا اشراقة جبينه، ولم يتوقف عن حمل هداياه صباح قدومه إلى الاطفال الواقفين ببابه في انتظاره، راسماً الابتسامة على شفاههم. فالعيد في تقويم امتنا، ليس مجرد مناسبة للهو أو العبث، أو الفرح الفردي داخل قفص الانانية، بل هو عيد للامة كلها، وميقات لتلاقي القلوب وجمع الشمل، وتصفية العارض من الخلافات، ووصل لما انقطع، وقبل كل شيء موعد للتصالح مع الذات، وعودة إلى نبع السعادة والقوة، والتراحم. وعيدنا، جاء هذا العام، وسط ضجة لم نعهدها في تاريخنا الحديث، حيث صارت امور حياتنا، وجميع ما يصدر عنا من قول أو عمل، في موضع مراقبة ورصد وتحقيق من قبل جهات مشكوك في مصداقيتها، وواضح للعيان خسة أهدافها، وما تضمره وتجاهر به من عداء لديننا وعروبتنا، واصبح الناطق لسانه او حاله منا بالولاء لاسلامه او عروبته موضع اشتباه وتحريض من تلك الجهات، المندفعة في عدائها بجبروت القوة الغاشمة، مستهينة بكل الشرائع، كعادة كل الاباطرة الذين طوى التاريخ صفحتهم والقى بهم في سلة مهملاته. فمن المثير للشجن والدهشة، ومحفز لنا على مراجعة مواقفنا، لا التراجع عن ثوابتنا، ان يصبح مجرد المسلسل التلفزيوني «فارس بلا جواد» محلاً لاحتجاج اميركي صهيوني، لمجرد ان تخللته مشاهد هي اقل مما يسجله الواقع عن الارهاب الصهيوني الدائرة عجلة جرائمه على مدار الساعة على أرض فلسطين، بهدف كسر ارادة المقاومة، وتقزيم اهداف ومطالب الفلسطينيين، وتحويلهم من كونهم طلاب حق، مدافعين عنه، إلى مجرد ايتام على موائد اللئام، يقبلون أكف غاصبي حقوقهم والموالين لهم، راضين بما يلقى لهم من فتات. على ان ضراوة الهجمة وشراستها بما تحمله من نقمة، لا تخلو من نعم، أولها صهر الارادة، وفرز الصفوف، وتوحيد الهمم واضاءة الوعي، بحيث لم يعد هناك مجال للركون إلى آخر يأتي لنا يحل لقضايانا بل نلتمس ضوء وخيوط الفجر في عيون الشهداء، ومشاريع الشهادة في جباه الاطفال القادمين للحياة ولم يعرفوا سوى معنى الشهادة، التي ورثها لهم الاباء... وكل عيد وامتنا بخير طالما بقي فيها من يبشر بفجر جديد.