الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 الناس في هذه الدنيا بين مشغول بنفسه أو مشغول بغيره عن نفسه، أو مشغول بالدنيا عن كل شيء، فهو يلهث خلف ما يظنه ماء في صحارى السراب والعطش، ويمد يده ليمسك بالخيوط التي تتراءى أمام ناظريه، فإذا لا شيء بين أصابعه سوى الريح.. والناس ما بين شغلهم وفراغهم مملوءون باللهاث وعشق البحث عن الفرح والبهجة، يظنون السعادة لحظة، والهمّ لحظات، فيتساءلون كأنهم لا يعلمون ماذا حلّ بالدنيا، وماذا حلّ بالناس؟ دفاتر الذاكرة مليئة بالتذكارات والمواقف والمشاهد، ودفتر الوطن موزع بين الجميع، والكل يكتب في صفحاته من يحبه، ومن يتكسب من وراء حبه، ومن يتظاهر بهذا الحب اتقاء، ومن لا يعرف من الوطن سوى راتبه الشهري وما يشبع شهواته ويزيد نرجسيته، ومع ذلك فهذا لا يعني بأن يتوقف الذين يحبون الوطن لأنه وطن عن الكتابة عنه أو الاهتمام بأصغر شئونه وأفراحه وهمومه. في دفتر الوطن وجه الأب، وحنان الأم، ولمّة العائلة، وأمان الحب، وأشياء أخرى كثيرة جداً، وعندما نفتح هذا الدفتر صباحاً نتذكر صغار الأمس، ورائحة البحر، ونوارس الشاطيء البيضاء بأرجلها الأرجوانية، وطائرات الورق حين تعلو وتختفي في الأفق فتخفق القلوب الصغيرة فرحاً بهذا التحليق. في دفتر الوطن.. صوت جدي الذي أنهك صدره تدخين الغليون، وصوت عصاه التي يتوكأ بها على الزمن وعلى عمره الذي ذهب خطوطاً لا تنتهي على رمال الوطن، ومع ذلك فقد ذهبت الريح بخطوط العمر وذهب الجد وذهبت عصاه وغليونه.. ولم يبق منه سوى صوت البحر والشطآن وأسماء مراكب الغوص، وأجيال جاءت لا ندري أحفظت خطوط العمر أم ضيعتها وضيعت العمر؟! الوطن يعيش ذكرى انبعاثه في قلوب أبنائه، فهل مازلنا جميعاً نعرف ذلك الاحساس.. الاحساس بأننا جزء من الوطن، أم اننا فقدنا هذا الاحساس كما فقدنا أشياء أخرى كثيرة؟ وماذا عن ابنائنا، هل مازلنا نحكي لهم حكاية الوطن، وحكايات عن الوطن، وحكايات من الوطن؟ أمازال الوطن حكاية الغوص الشاقة ورجال البحر الذين صاروا في الذاكرة كالوشم القديم الغائر بلا لون؟ أمازال الوطن تلك الأحياء المتقاربة بممراتها وسكيكها الرملية الضيقة؟ تحكي لي أمي بأن سكيك زمان كانت نظيفة دائماً مع انه لم يكن هناك عمال بلدية ينظفونها كل يوم، كانت كل امرأة تنظف أمام بيتها حتى تبدو ممرات الفريج (الحي) كلها نظيفة، فأعرف على وجه اليقين بأنهم كانوا على درجة عالية من ثقافة حماية البيئة أكثر منّا نحن اليوم أصحاب الشهادات وخريجي أرقى الجامعات!! وأتساءل: لماذا؟ ما الذي تغيّر؟ وأجيب نفسي: لا شيء، لكن الله يقول: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فماذا تغيّر داخل نفوسنا؟ الذي حدث داخل نفوسنا ثورة وليس تغييراً، ثورة أطاحت بالكثير ونزعت من دفتر الوطن أجمل ما فيه، بعضنا قبض على تلك الصفحات، وبعضنا طيّرها مع الريح، فهل تبقي الريح على شيء؟.. الريح لا تزرع والعاصفة لا تحصد. وما بين الريح والعاصفة يحاول البعض عبثاً ان يحرث البحر، ويحاول آخرون ان يعيدوا إلى دفتر الوطن بعض صفحاته الجميلة.. فكم هم رائعون هؤلاء الذين مازالوا يعزفون أغنية الوطن، يرتشفون ملحها وطيبها ويغرسونها نبتة أصلها متجذر في البر والبحر والجبل وفرعها يطاول السماء.. كم أنت رائع يا وطني.. وكم أنت رائع يا من مازلت تغني لهذا الوطن أغنية البحر والبر والجبل بكل تفاصيلها وتهويماتها وتجلياتها. وإذ أشم رائحة يدي، فإنني افاجأ برائحة البحر.. ذلك البحر الذي سكنني زمناً قضيت على ضفافه طفولتي وأيام عمري الشفيفة، وإذ أنظر إلى يدي أجد البحر ساكناً في التفاصيل وخطوط اليد كوشم غجري صارخ بكل الألوان.