الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 أسوأ ما يمكن ان يجري لزعيم سياسي في اي زمان او مكان ان يتورط في ارتكاب اثم الخيانة بحق وطنه ولا يقبض في نهاية الامر الثمن الموعود. وهذا بالضبط فيما يبدو هو المصير الذي ينتظر قادة فصائل المعارضة العراقية في الخارج.. وبئس المصير. في العاصمة الاميركية واشنطن ينعقد اجتماع حاليا بين مسئولين في وزارة الخارجية الاميركية و15 شخصية عراقية وصفوا بأنهم «مستقلون» اي انهم معارضون لنظام بغداد رغم انهم لا ينتمون الى الفصائل المنظمة فلماذا تتعامل الادارة الاميركية مع عناصر من وراء ظهر قيادات الفصائل.. ولأي غرض؟ التفسير الاميركي لهذا التطور يحتاج لتفسير. المصادر الرسمية في واشنطن تقول ان الاجتماع المشار اليه آنفا يأتي في اطار سلسلة اجتماعات تركز على قضايا معينة مرتبطة بالعراق، تتعلق بالسياسة والاقتصاد والسياسة الخارجية في مرحلة ما بعد صدام حسين. ويضيف مسئولو الخارجية الاميركية ان المشاركين في اجتماع واشنطن عراقيون «احرار» اختيروا لخبراتهم الشخصية في مجالات معينة، وليس بسبب انتمائهم السياسي وان كان لدى البعض منهم انتماءات معينة. والمشكلة التي ينطوي عليها هذا التفسير تتمثل في سؤال: اذا كان المفترض منطقيا ان فصائل المعارضة المنظمة في الخارج هي التي سوف تتولى الحكم في حال الاطاحة بالنظام في بغداد، فان المفترض ايضا ان يكون لها جزاؤها في الاقتصاد والادارة والسياسة الخارجية.. الخ، اي المجالات التي حشدت من اجلها واشنطن منذ الآن كوادر عراقية متخصصة من خارج صفوف الفصائل المعارضة.. فلماذا تجاهلت واشنطن هذه الفصائل؟ الاجابة ببساطة هي ان الادارة الاميركية لا تثق بهذه الفصائل. وهذا لم يعد سرا.. فالتسريبات الاعلامية التي يصدرها البيت الابيض في هذا الصدد اكثر من ان تحصى. ان الانقسامات التي تعصف بفصائل المعارضة العراقية في الخارج لا تؤهلها لاقامة نظام حكم مستقر في بغداد في حالة ذهاب النظام الحالي ولذا فان الادارة الاميركية ليست على استعداد للدخول في مخاطرة عظمى بغزو العراق والتورط في اشتباك قتالي داخلي مع القوات العراقية بهدف اسقاط النظام ليبدأ فور ذلك فصل جديد من اقتتالات بين فصائل المعارضة المتخاصمة بشأن تحديد طبيعة نظام الحكم الجديد والاستئثار بالسلطة او بالجزء الاعظم منها. ان التباينات السياسية بين هذه الفصائل تبلغ درجة العداء الراسخ المتبادل. هناك التناقض بين الملكيين والاشتراكيين.. وتناقض آخر بين السنة والشيعة وتناقض بين القوميين والبعثيين وتناقض بين الماركسيين وقبائل اليسار الاخرى، ولذا فان سقوط النظام الحاكم سيكون ايذانا بمرحلة من التصارع الدموي. من الواضح ان الولايات المتحدة تعتزم حكم العراق بنفسها مستبعدة بذلك فصائل المعارضة الخارجية وهذا يطرح سؤالا: لماذا اذن تحتضن واشنطن قادة هذه الفصائل الآن؟ لقد كشفت وسائل الاعلام الاميركية عن مشروع ادارة بوش بشأن مستقبل الحكم في العراق في حالة الاطاحة بالنظام الراهن وينص المشروع على مرحلة اولى تمتد بين ستة شهور الى سنة كاملة، توضع خلالها البلاد تحت ادارة عسكرية اميركية، وبعد ذلك تعهد ادارة البلاد الى هيئة دولية قبل ان تسلم في نهاية عامين من بدء المشروع الى حكومة عراقية. ان هذا المشروع يعني ان الدور الموكل الى فصائل المعارضة ينتهي تاريخ صلاحيته بمجرد استكمال عملية الاطاحة بالنظام، ومعنى ذلك ان هذا الدور ينحصر في استخدام المعارضة الخارجية كأداة دعائية لتبرير عملية الغزو الاميركي للعراق، باعطاء العالم انطباعا ان هذه العملية تأتي استجابة لرغبة الشعب العراقي «ممثلا» في فصائله المعارضة في الخارج. وبمجرد ان تكلل عملية الغزو ـ ومن بعدها مباشرة الاطاحة بالنظام ـ بالنجاح المنشود فان دور المعارضة الخارجية يكون قد بلغ نهايته المرسومة سلفا في واشنطن. يبقى السؤال الاخير: ما هو الدور المرسوم لمجموعة الشخصيات العراقية الخمسة عشرة التي انتقتها وزارة الخارجية الاميركية من خبراء متخصصين في الاقتصاد والادارة والشئون الخارجية والذين يجتمع معهم مسئولو الخارجية الاميركية في واشنطن حاليا؟ في تقديري ان الدور المرسوم لهذه المجموعة هو ان تكون هيئة استشارية للحكومة الاحتلالية الاميركية في بغداد التي ينص عليها المشروع الاميركي المشار اليه آنفا. وهكذا يبيع قادة المعارضة العراقية في الخارج شرفهم الوطني دون ان يحصلوا على مكافأة. كل هذا بالطبع رهين بنجاح مخطط الغزو الاميركي للعراق. فماذا لو انتهى هذا المخطط الشرير الى الفشل؟