الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 في مقالين سابقين في هذه الصفحة تطرقنا لازمة المثقف العربي ودوره المشلول في المجتمع وازمة البحث العلمي وانعدام صناعة المعرفة في الدول العربية. في هذا المقال نناقش غياب الشارع العربي واصابته بالشلل التام في مرحلة حرجة ومهمة جدا في تاريخ الامة العربية، وغياب الشارع يعني غياب الرأي العام وغياب الرأي العام يعني غياب الآليات السلمية والصحيحة والصحية والجيدة للماكينة السياسية الديمقراطية. واذا غاب الرأي العام غاب الرأي الاخر وغاب الحوار وغابت السوق الحرة للافكار. ففي الشهور القليلة الماضية شاهدنا عبر الفضائيات جماهير غفيرة تقدر بعشرات الآلاف في العاصمة الاميركية واشنطن وفي فرانكفورت وسيدني وباريس وبروكسل وروما وعواصم عالمية اخرى، تندد بالغطرسة الاميركية وتأكيدها على ضرب العراق ومعاداة كل من لا يساندها في مكافحة الارهاب ـ الارهاب حسب المقاييس والمعايير الاميركية بطبيعة الحال، شاهدنا كذلك جمعيات واحزابا واتحادات وجماعات ضغط مختلفة تجتمع وتحتشد وتتجمهر للتنديد بالسياسة الاميركية لضرب العراق والحصول على تأييد دول العالم في النيل من العراق وشعبه. في كل هذا يتساءل المواطن العربي من المحيط الى الخليج اين الشارع العربي واين موقفه ودوره ووعيه ورأيه فيما يجري من حوله خاصة وانه مستهدف بالدرجة الاولى؟ ما نلاحظه مع الاسف الشديد في كل ما تقدم هو تلك الفجوة الكبيرة بين السلطة والشارع العربي، بين الحاكم والمحكوم، بين صناع القرار وآليات وميكانيزمات صناعة القرار في الوطن العربي، قرارات مهمة ومصيرية واستراتيجية تؤخذ باسم الشعب العربي وهو آخر من يعلم، وفي غالب الاحيان نلاحظ ان الشارع العربي ـ اذا كانت لديه الشجاعة ان يكشف عن موقفه ـ في اتجاه والسلطة في الاتجاه المعاكس تماما، واخطر من هذا نلاحظ ان بعض المسئولين العرب يصرحون علنا ومن خلال وسائل الاعلام بشيء ويتفقون في الكواليس على اشياء مختلفة تماما، فهناك خطاب للاستهلاك الاعلامي وللتمويه والتضليل، وهناك خطاب اخر لارضاء القوى التي تدير العالم امثال الرئيس بوش وارائه، هذا الخطاب المزدوج يؤدي الى ثقافة سلبية في المجتمع تقوم على النفاق والسلبية وتفرز سلوك الاستسلام والهروب من المسئولية. النتيجة في النهاية هي انعدام السلطات المضادة في المجتمع وانعدام المجتمع المدني وانعدام المؤسسات والكيانات التي تراقب السلطة واجهزتها وتراقب القوى التي تقود وتدير المجتمع. معادلة مختلة اسئلة عديدة تفرض نفسها في وطننا العربي تتمحور اساسا حول موقع المواطن العربي في المعادلة السياسية وهل من دور لهذا المواطن في اللعبة السياسية وفي صناعة القرار؟ هذه الاشكالية تتطلب الغوص في مسائل اخرى ترتبط بآليات الرأي العام في المجتمع وبوجود الرأي العام كمتغير من متغيرات المعادلة السياسية في اي دولة. وهنا يجب ان نحدد آليات اللعبة السياسية وتوزيع السلطة وصناعة القرار. واذا عدنا الى التاريخ وحاولنا استقراءه والغوص في خباياه نجد ان الشارع العربي لم يكن في اي يوم من الايام موافقاً على عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، فالشعب المصري على سبيل المثال وبعد ما يزيد على العشرين سنة من اقامة مصر علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، مازال يرفض اي نوع من التعاون مع الكيان الصهيوني، وما يقال عن مصر يقال عن الانواع والاشكال من العلاقات والاتصالات وحتى المصافحات التي تمت بين القيادات العربية والصهاينة، لكن رغم هذا حدث ما حدث ولم يقرأ ويدرس ويحلل الشارع العربي كما ينبغي لمعرفة الواقع كما هو والرجوع الى الشارع في عملية صناعة القرار. اصبح الرأي العام يمثل اساس السلطة في عصر المعلوماتية والمجتمع الرقمي، قرن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وعصر الصراع الحاد على من يملك المعلومة والمعرفة. والرأي العام يلعب دورا استراتيجيا في المجتمعات الديمقراطية، وتزايدت اهميته في هذا القرن حيث انه اصبح يمثل المرجعية الاساسية في صناعة القرار وفي الفصل في الكثير من القضايا الحساسة والمصيرية، فالرأي العام هوالسلطة الحقيقية التي تعتمد عليها الدولة في تجسيد شرعيتها وتثبيت وجودها سواء على الصعيد المحلي او الدولي، وكلما اعتمدت السلطة على الرأي العام ورجعت اليه في الفصل في القضايا المطروحة في المجتمع كلما نجحت في تدبير امورها وفي كسب رضا المجتمع بفئاته وشرائحه المختلفة. فالرأي العام اذن هو الوجه الآخر للديمقراطية وحرية الصحافة حيث انه يتفاعل ويتأثر ويؤثر في كل منهما فالديمقراطية التي لا تعتمد على الرأي العام لا نستطيع ان نسميها ديمقراطية، والصحافة الحرة التي لا تشكل وتكون الرأي العام وتؤثر فيه وتتأثر به لا نستطيع ان نسميها صحافة حرة وفاعلة والصحافة الحرة الفاعلة هي التي تزود الرأي العام بمختلف وجهات النظر والآراء والدراسات والتحاليل وتترك المجال واسعا امامه لاختيار وتبني الرأي الصائب ووجهة النظر الصحيحة. تغييب متعمد وفي كل ما تقدم نسأل ماهو التقارب الموجود بين السلطة العربية والشارع العربي ـ الرأي العام ـ في التعامل مع القضايا المصيرية والمهمة وخاصة القضايا التي تمس مشاعر واحاسيس ومصالح الشعب مباشرة. مع الاسف الشديد وللوهلة الاولى نلاحظ ان الرأي العام العربي مغيبا بطريقة منهجية ومنتظمة في الكثير من القضايا التي تهمه من قريب او بعيد. واذا اخذنا قضية ضرب العراق كمثال على علاقة السلطة بالرأي العام في صناعة القرار نلاحظ ان الشارع العربي والرأي العام العربي في اتجاه والسلطة العربية في اتجاه آخر، ونلاحظ هنا عدم تناسق الشارع مع صناع القرار والا اين رد فعل السلطة وماهي الاجراءات التي اتخذت حتى تتساوى الدبلوماسية العربية والسياسية العربية مع الشارع العربي؟ السلطة في الوطن العربي ذهبت الى ابعد من انها تتجاهل الرأي العام، انها قامت بقمعه واسكاته وفي الكثير من الاحيان بفبركته حتى يتناغم مع سياستها وارادتها، ففي احيان عدة نلاحظ التناقضات الصارخة بين الشارع وصاحب القرار وعادة ما نجد الرأي العام يتخذ موقفا ضد قرار السلطة والسلطة تتباهى وتتفنن في تطبيق القرار، وفي بعض الاحيان تتفنن في قمع الرأي العام واسكاته وتكميمه وسجنه وينتهي الامر في بعض الأحيان الى منع اي هيكل او مؤسسة تنظيمية او سياسية او اجتماعية تختلف في الرأي مع السلطة. والظاهرة الخطيرة التي تتفشى في مجتمعاتنا العربية هي ظاهرة الرأي العام «المفبرك» او المنافق حيث انه لا يعبر عن حقيقة وواقع الرأي العام، ويصبح رجل الشارع يدلي بآراء وافكار ووجهات نظر غير مقتنع بها اساساً وانما يقولها لارضاء السلطة لا غير، وهنا نكون قد وصلنا الى مرحلة خطيرة جدا وهي الانتحار الذاتي او الى مجتمع لا يؤمن بما يقول ومجتمع مبني على النفاق. وسواء في غياب الرأي العام الحقيقي الواقعي او في ظل وجود رأي عام منافق، فان السلطة لا تستطيع ان تتفاعل مع المجتمع ومع الشعب السلطة الحقيقية. وهنا تقل آليات التفاهم والاتصال الحقيقي الذي يؤدي الى التفاعل الصحي ما بين السلطة والشعب والاستغلال الامثل للموارد البشرية والمادية المتوفرة في المجتمع. قد يتساءل المواطن العربي من المحيط الى الخليج هل من وجود للرأي العام في الدول العربية؟ وكيف يصنع ويشكل هذا الرأي العام اذا كان موجودا وهل يقاس ويؤخذ بعين الاعتبار في اتخاذ القرارات التي تهم الامة والمجتمع؟. الكلام عن الرأي العام يتطلب عنصرين مهمين وهما الديمقراطية وحرية الصحافة، وفي غياب هذين العنصرين يصبح الكلام عن الرأي العام بمعناه الجوهري والحقيقي، اي الرأي العام الفعال والمستنير والناضج والقوي، بدون جدوى ولا فائدة، فبدون اخبار ومعلومات ومعطيات معتبرة من الناحية النوعية والناحية الكيفية لا يستطيع الجمهور ان يتخذ موقفا واضحا مبنياً على اسس سليمة بشأن القضايا التي تطرح يوميا على افراد المجتمع وفي مختلف الشئون والمجالات. وفي الكثير من الاحيان تطرح قضايا جوهرية في المجتمع ويبقى الشعب المسكين تائها في اتخاذ موقف من القضية، لا لشيء الا لانه يفتقد للمعلومات ومكونات القضية وعناصرها وهذا ينجم عادة عن انعدام التدفق الحر للمعلومات وللاخبار في ظل غياب حرية الصحافة. ومن جهة اخرى ولاسباب عديدة ومتداخلة نجد غياب وجهات نظر وافكار جهات مهمة ورئيسية في المجتمع حول القضية المطروحة، وهذا بسبب انعدام القنوات الحرة للتعبير عن الرأي. وهنا نستنتج ان القنوات السليمة والصحيحة التي تكون وتشكل وتصنع الرأي العام مغيبة تماما في معظم مجتمعاتنا العربية، وهذا يعني ان فاقد الشيء لا يطعيه. ـ كلية الاتصال، جامعة الشارقة