الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 تضغط الولايات المتحدة بكل قوتها على الدول العربية والاسلامية لتغيير مناهجها الدينية بدعوى انها تدعو الى التطرف، فهل هذا صحيح؟ وهل ستنجح واشنطن في مساعيها تلك؟ مشكلة الولايات المتحدة انها لا تفهم الوضع العام للعالم الاسلامي، والكثير مما تكتبه مراكز الدراسات لديهم صحيح في مجمله ولكن ما ان يأتي دور التحليل حتى يظهر نوع من التخبط غير المفهوم، فعادة عندما تكون المعطيات صحيحة يسهل الوصول الى النتيجة بعد التحليل، ولكن الامر ليس هكذا في الوضع الاميركي. ولنأخذ مثلا على ذلك : فعندما يريدون الوصول الى الاسباب التي ادت الى البغض المتأصل في نفوس المسلمين عليهم، تجدهم يكتبون الكثير عن العالم الاسلامي ويحللون دوله وتاريخه ونظامه الاجتماعي والاقتصادي، ثم وفي مرحلة ما من التحليل يخرج الكاتب عن كل ذلك ليقول ان النظام الاسلامي قد فشل فشلا ذريعا بعد القرن الخامس عشر وانحدر المسلمون في ظلام الجهل وبقوا في تخلفهم حتى جاء الغرب ليقود العالم فشعر المسلمون اتجاهه بالحسد والغيرة واعلنوا الحرب عليه!! أيسمى هذا جهل ام سوء تفسير متعمد؟ انهم يغفلون الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في دعم الكيان الاسرائيلي المغتصب لأرض عزيزة على قلوب المسلمين، ويغفلون تحديهم الوقح الصارخ لمشاعر مئات الملايين من المسلمين حين يقابل الرئيس الاميركي كاتبا مغمورا ويصور معه ويدافع عنه فقط لانه كتب ما يسيئ للمسلمين ورسولهم، ويغفلون تراكم الغضب في النفوس حين يرون المندوب الاميركي في مجلس الامن يرفع يده بالفيتو مدافعا عن المذابح التي ترتكبها اسرائيل بحق شعب اعزل، وينسون رؤية الرئيس الاميركي جالسا مع الارهابي شارون امام آلات التصوير في البيت الابيض وهو يضع يده على كتفه ويمدحه على انه رجل سلام لابد من الوقوف معه ودعمه، ويغفلون مشاهد الموت والدمار التي تسببوا فيها في العراق وموت الملايين من الاطفال والشيوخ بلا جريرة لتخرج علينا مادلين اولبرايت لتقول ان موت مئات الالاف من اطفال العراق ثمن مقبول لتغيير نظام الحكم، ثم وبكل براءة مصطنعة وقحة يقولون لماذا يكرهوننا؟ إن الكره الذي في قلوب المسلمين زرعته الإدارات الاميركية المتعاقبة التي لا تحمل لملايين المسلمين وزنا ولا قيمة ولا كرامة، فهي تحصد الان ما زرعت، وهل اسامة بن لادن وصحبه إلا نتاج تلك البذور. من الواضح انهم الان يتخبطون في مسألة المناهج ايضا، فلو تم تحليل الخلفية الثقافية لمن قاموا بعمليات 11 سبتمبر فانهم لن يجدوا احداً من المسؤلين عنها قد تخرج من جامعة شرعية، بل الغالبية العظمى منهم من خريجي الكليات العلمية او المعاهد المتوسطة او من المهنيين او انهم تركوا تعليمهم في مرحلة ما لسبب او اخر، فهناك خلط واضح بين المدارس الدينية المتواضعة التي تخرج الملالي شبه الجهلة على الحدود الباكستانية الافغانية التي تنادي واشنطن بإغلاقها وبين الجامعات الاسلامية العريقة التي تخرج دعاة مطلعين على ثقافات الاخرين ومستعدين لقبول الخير منها. إن تغيير مناهج التعليم لن يوقف موجة الغضب العارمة، فالقضية ليست ايديولوجية حزبية قومية كما هو الوضع في المانيا النازية او ايطاليا الفاشية في عهد موسولوني وليست عبادة لشخص كما كان الوضع في اليابان الامبراطورية قبل الحرب العالمية الثانية، بل هي عقيدة مترسخة غير قابلة للتغيير. لقد عمل الاتحاد السوفييتي بكل قوته لتغيير المناهج في الجمهوريات الاسلامية التي احتلها، ونجح جزئيا، وعاش الناس تحت سلطة الكرملين سنوات عجاف، وما ان انسحب او حتى شعر الناس بتراخي قبضته حتى عادوا لما كانوا عليه، فخرجت الجماعات الاسلامية المسلحة في اسيا الوسطى كلها سواء في الشيشان او اوزبكستان او طاجكستان وغيرها من الدول، وهل سأل من يكتب كل تلك التقارير نفسه عن الجامعة العريقة التي خرجت قادة الطالبان او ربما هناك جامعة اسلامية لم نسمع عنها في غابات مندناو قد خرجت ابوسياف!! يجب ان يعي من يحكم البيت الابيض او من يضع امامه تلك التقارير ان المناهج الاسلامية ليست هي التي تخرج المتطرفين، بل هي المناهج التي تصممها جماعات الضغط اليهودية التي تغلغلت في اوساط الادارة الاميركية كالسرطان حتى اصبح ارضاؤها لا يكون إلا على جسر من جماجم المسلمين وكرامتهم. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»