الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 بين مختلف القضايا الخلافية التي تدور بين الإسرائيليين، على خلفية الانتخابات القادمة، تحتل مسألة العلاقات مع الفلسطينيين (السلمية أو الصراعية) مكانة الصدارة في سلم الاولويات، إذ أنها تتقدم على الاهتمامات الأخرى المتعلقة بالخلافات بين المتدينين والعلمانيين والشرقيين والغربيين واليمينيين واليساريين. وفي الواقع فإن شكل العلاقة مع الفلسطينيين بات، بمعنى ما، وبفعل تأثيرات الانتفاضة عاملا محددا ومقررا في سلم اولويات المجتمع الاسرائيلي: الأمنية والاقتصادية والسياسية، لا سيما في ضوء التدهور الحاصل في أوضاع إسرائيل في هذه المجالات. العامل الفلسطيني ومن المعروف أن المواجهات الدامية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، منذ عامين ونيف، أدت إلى زعزعة أمن اسرائيل مع آلاف العمليات الفدائية ومصرع حوالي 700 إسرائيلي، ما أثّر سلبا على الانشطة الاقتصادية والاجتماعية وعلى الحياة السياسية في إسرائيل؛ فالوضع الاقتصادي في تراجع مطرد، مع ازدياد المصاريف الامنية والتباطؤ في النمو وتدني الاستثمارات الخارجية وتفاقم مشكلة البطالة وتراجع مستوى المعيشة، وهي الأوضاع التي دفعت حكومة شارون لتقليص التقديمات الاجتماعية للشرائح الفقيرة وللمتقاعدين، رغم وجود حوالي ربع مليون إسرائيلي عاطل عن العمل وأكثر من مليون تحت خط الفقر؛ ومن ناحية الاستقرار السياسي بات من المعروف أنه ومنذ انطلاق عملية التسوية من مؤتمر مدريد (1991) لم تنجح أية حكومة إسرائيلية في استكمال فترتها القانونية (أربع سنوات)، بسبب الحالة الصراعية مع الفلسطينيين والخلاف حول عملية التسوية بين أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي. وحقيقة الأمر، أيضا، أن عملية التسوية مع الفلسطينيين، في الادراك الاسرائيلي، هي ليست مجرد عملية إعادة أراض أو الاعتراف بحقوق شعب، إذ أن هذه التسوية تمسّ تعريف إسرائيل لذاتها ولدورها في المنطقة وتتطلب منها مراجعة مبادئها ومبررات وجودها المرتكزة على الصهيونية: القومية والدينية وتفترض منها تحديد حدودها: الجغرافية والبشرية والسياسية، ووضع ممهدات تحولها من دولة استيطانية وظيفية ترتكز على خرافة (توراتية) وعلى غطرسة القوة إلى دولة عادية. ومعنى ذلك أن عملية التسوية هي في الحقيقة ليست شأنا خارجيا بالنسبة للإسرائيليين وإنما هي شأن داخلي لذلك بدت وكأنها بمثابة عملية للتسوية بين الاسرائيليين أنفسهم! ولما كانت التيارات السياسية الاسرائيلية لم تحسم أمرها في الاسئلة الوجودية التي تطرحها عملية التسوية فقد كان الحل الأفضل لها دائما هو التملص من استحقاقات هذه العملية أو تأجيلها والاستمرار بسياسة الامر الواقع وتقطيع الزمن. على ذلك من الطبيعي أن ينقسم الإسرائيليون حول عملية التسوية، إلى اتجاهين رئيسين: الاتجاه المؤيد للتسوية، ويتمحور حول حزب العمل، والاتجاه المعارض ويتمحور حول الليكود، وبغض النظر عن القواسم المشتركة بين هذين الاستقطابين، بشأن حدود السيادة الفلسطينية وعدم الانسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو عام 1967، والسيادة على القدس، ورفض عودة أي فلسطيني إلى الأراضي المغتصبة في العام 1948، فإنه ثمة أيضا خلافات بين هذين الاتجاهين بشأن دوافع عملية التسوية وبشأن الحدود التي يمكن أن تصل إليها، وفي الحقيقة فإنه من المهم للمعنيين والمحللين ملاحظة هذه الفوارق والاشتغال عليها، لاستثمار التناقضات الإسرائيلية، والتخلص من عقلية المؤامرة ونظرية توزيع الأدوار الساذجة والسهلة! إذ أن انخراط حزب العمل في عملية التسوية أدى إلى اغتيال واحد من أهم رؤساء حكومات إسرائيل (اسحق رابين 1995) كما أدت هذه العملية إلى ضعف الاستقرار السياسي في إسرائيل لاسيما منذ العام 1991. دوافع حزب العمل يعتقد حزب العمل الاسرائيلي بأنه ينبغي مراجعة بعض المنطلقات الصهيونية وتكييفها مع مسارات العولمة، ولاسيما ما يتعلق منها بازدياد اعتماد الدول على قوتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والوصول إلى اسواق جديدة، بدلا من الارتكان على عناصر القوة التي كانت تحسب سابقا على أساس المساحة وعدد السكان والقوة العسكرية، ويدعو حزب العمل أيضا إلى استثمار هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي من أجل فرض تسوية تتيح لإسرائيل تعزيز مكانتها في المنطقة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، للتعويض عن انسحابها من جزء كبير من الاراضي المحتلة والتضحية بمستوطنات متناثرة والاعتراف بدولة للفلسطينيين. وترى قيادة حزب العمل أن تسوية كهذه ستساهم في تمكين إسرائيل من: 1ـ تطوير اقتصادياتها بالاستناد للمجال الحيوي الشرق اوسطي. 2ـ تخفيض التكاليف الأمنية التي تتكبدها وتحويل هذه المصاريف للانفاق على البحث والتكنولوجيا والخدمات. 3ـ التخلص من عبء الاحتلال من النواحي الامنية والسياسية والأخلاقية، وتحسين صورتها في العالم. 4ـ تعزيز دورها في السياسة الاميركية. 5ـ التخلص من الخطر الديمغرافي والحفاظ على طابع إسرائيل كدولة يهودية. ومعنى ذلك أن حزب العمل لا يلهث وراء التسوية مع الفلسطينين محبة فيهم أو إدراكا لضرورة انصافهم وإنما هو يتحمس لها بالنظر إلى العوائد التي سيجنيها، كما ان ثمة نظرة عنصرية في فهمه للتسوية التي تتجنب الاعتراف بالمظالم التي وقعت على الفلسطينيين وفي حديثه عما يسمى بالخطر الديمغرافي. على أية حال فإن حزب العمل يبدي استعدادا مبدئيا، ومشروطا، للانسحاب من معظم الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها الاحياء العربية من القدس وتفكيك المستوطنات المتناثرة واقامة كتل استيطانية محاذية للخط الاخضر وللقدس، مع ضمان ترتيبات أمنية وتعهد بانتهاء المطالب الفلسطينية ومن ضمنها خصوصا المطلب الخاص بحق العودة للاجئين؛ وثمة تطور جديد في مواقف حزب العمل، حصل على خلفية الانتفاضة، وهو المتمثل بخطة الفصل والانسحاب من طرف واحد، من الاراضي المحتلة، وهي الخطة التي أعلن عميرام متسناع الزعيم الجديد لحزب العمل عن تبنيها في حال تعذر عقد تسوية مع الفلسطينيين. موقف الليكود أما حزب الليكود فهو يعارض عملية التسوية من منطلقات أيديولوجية (قومية ودينية) وهو يعارض تقديم «تنازلات» للفلسطينيين لأنه يعتقد أن ذلك سيشجعهم مستقبلا على المطالبة بحيفا ويافا، ويرى قادة الليكود بأن التسوية يمكن أن تقوض الفكرة الصهيونية في المجتمع الاسرائيلي وأن تضعف مكانة إسرائيل في المنطقة وعلى الصعيد الدولي، ويرى هذا الحزب أنه يمكن التخلص من الخطر الديمغرافي، الذي يدعيه حزب العمل، بإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين، بحيث تبقى إسرائيل مسيطرة على الاراضي الفلسطينية، ويرى هذا الحزب بأن العلاقة مع الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الاميركية هي التي من شأنها الحفاظ على تفوق إسرائيل واستقرارها وازدهارها من مختلف النواحي. ومؤخرا، وعلى خلفية الانتفاضة أيضا، برز اتجاه قوي في الليكود يساند قيام دولة فلسطينية على 50 ـ60 بالمئة من اراضي الضفة والقطاع على أن تكون هذه الدولة مسالمة ومنزوعة السلاح وأن تكون ختام مطالب الفلسطينيين. وبرغم ما تقدم فإنه من المهم ملاحظة أن هذه التطورات لم تحصل من تلقاء نفسها وإنما حصلت بفضل صمود الفلسطينيين في أرضهم ومقاومتهم العنيدة للاحتلال والدعم العربي والدولي لحقوقهم، ولذلك فإنه لا ينبغي الارتكان لا على «كرم» حزب العمل، ولا على «تفهم» إسرائيل، فهذه الدولة بالنظر لطبيعة نشوئها وبوصفها دولة استعمارية ـ استيطانية مصطنعة لن تذهب بمحض إرادتها للتسوية وإنما ستذهب إليها بفعل صمود الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة وبفعل الضغوط العربية والدولية المناسبة. ومعروف أن حزب العمل إبان وجوده في السلطة (1999 ـ 2000)، فضل مغازلة جمهور المستوطنين وتلكأ بتنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بإعادة الانتشار ولم يجهد نفسه في الوفاء بالتعهدات المتعلقة بعملية التسوية، وذلك بسبب وعيه للخلافات الاسرائيلية حول عملية التسوية وإدراكه لعدم نضج الاسرائيليين لهذه العملية، بسبب تشربهم المبادئ الصهيونية، وأيضا بسبب انتهازية قياداته. والمعنى أنه برغم كل التقدم الحاصل لصالح الفلسطينيين فإنهم معنيون برسم السياسات والخطابات والوسائل الكفاحية التي تساهم في تعزيز هذا الاتجاه ودفعه إلى حسم أموره؛ بالتضافر مع الضغوط الدولية والعربية المناسبة. ـ كاتب فلسطيني