الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 ابدأ معكم اليوم من حيث انتهيت البارحة حيث تطرقت الى واحد من ابرز الاخطاء الفنية التي صاحبت اغلب المسلسلات التاريخية منذ زمن الابيض والاسود الى زمن السينما المنزلية حيث صاحب اداء الممثلين جرعات زائدة من الانفعال الذي ميز اداء الممثلين والممثلات في كثير من اللوحات الفنية التي تابعها ولا يزال يتابعها جمهور غفير من المشاهدين. فلقد صورت الاحداث التاريخية وكأنها نتاج خصومات وصراعات لا تنتهي بدءاً من الخصومة والتنازع على كراسي الحكم، ومروراً بالصراعات المذهبية، والانتماءات الفكرية وانتهاء بالصراع داخل الاسرة الواحدة حيث يغدو التشنج والنبرة الصوتية الحادة والغضب الشديد ادوات لنقل الآراء والافكار مما جعلها مخالفة للصورة الطبيعة الشفافة والجذابة التي صبغت كثيراً من تفاصيل الحياة الاجتماعية بصبغة التعاون والتواصل الايجابي والمشاركة الفعلية!! غير ان الخطأ الاكبر الذي وقع فيه كتاب المسلسلات التاريخية هو محدودية الدور الذي تؤديه الشخصية التاريخية التي يتناولها العرض التلفزيوني، اذ انها تقدم عادة في اطار درامي شديد الجدية، مما يفقد العمل المعروض عفويته وتلقائيته وانسيابيته التي كان من المفترض ان تكون اول الادوات المعتمدة في تشكيل العمل الدرامي وتحديد هويته الموضوعية والفنية في آن واحد. ولقد ادعت تلك النصوص التاريخية المجتزأة من السياق الطبيعي للاحداث انها ومن خلال العرض الدرامي استطاعت ان تقدم مادة سهلة الهضم، ومقبولة لدى جمهور المشاهدين، والحقيقة ان تلك المادة لم تكن سهلة الهضم على الاطلاق، بل انها حين قدمت للمشاهد فقدت معظم اجزاء نسيجها العضوي واصبحت شيئاً هلاميا لا يمكن الاعتماد عليه في قراءة اعماق الشخصية التي تدور حولها الاحداث التي قدمت بصورة غير واقعية واقرب الى ان تكون كتابات من نسج خيال كاتب معتل المزاج منها الى محاكاة فنية تجسد الماضي على طبق غني بأصناف الفوائد والمتع الروحية والمعرفية، واللافت حقا اصرار الاعلاميين المشتغلين بهذا الحقل المهم على تصوير اعمال اعلام هذه الامة على انها شيء يدخل في اطار الخوارق ويفوق في حجمه ومقداره طاقة الفرد العادي، كما يتم تصوير تلك الشخصيات التي تدور حولها الاحداث التاريخية على انها مثل اعلى مجرد من العيوب ومنزه عن الخطأ في القول والفعل مما يؤثر على مصداقية العمل من جهة، ويشعر المشاهد بالاحباط وعدم القدرة على مجاراة تلك الشخصية الكاملة التي تقدم وكأنها ليست من جنس البشر وانما من صنف الملائكة. وهي مبالغة افسدت بريق العمل الفني، واطفأت لدى المشاهد الحماس في تقليد ومحاكاة المشاهد والمواقف التي ادتها تلك الشخصيات البارزة، ولست ارى خطيئة للاعمال التاريخية اكبر من هذه الخطيئة. فانت ترى الشخصية التي تدور حولها احداث المسلسل مثالية في كل شيء، كما تصور على ان الحياة بالنسبة لها جدّ لا تتخلله لحظات استجمام او مرح او استمتاع بمباهج الحياة!! وكأن ابطال تلك المسلسلات قاطعوا الحياة وآثروا العيش في صومعة العلم، حيث تختفي الابتسامة وتنعدم القدرة على التجاوب مع الفكاهة والظرف، ويحضر الوجوم والصمت، وتصبح حركاته بطيئة ثقيلة يتحرك وكأنه يجر احمالا من الحزن والقلق والهموم التي لا نهاية لها!! حتى انطبع في اذهان كثير من المشاهدين ان هذه الصورة التي يرونها هي الانموذج الصحيح لرجال الاسلام المخلصين الذين سجلوا اروع مواقف التضحية والايمان بالهدف والغاية!! بينما لو ان ذلك العالم الذي يقال زوراً انه قد تم اعادة تقديمه الى مشاهدي الالفية الثالثة خرج من قبره، وشاهد تلك القتامة والوجوم الذي نقل عنه لآثر العودة الى الآخرة بدلا من رؤيته لاهل الدنيا الذين عبثوا بتاريخ حافل من النشاط الانساني والعلمي والاجتماعي الذي جعل العالم قبل سواه اول من يحتفي بالحياة ويحاول ان يرسم الابتسامة اينما ذهب وراح!! فليس الدين مصدراً للكآبة والتجهم، كما انه ليس خصما للحياة وانما هو اول المتصالحين معها، واول المستمتعين بمباهجها على النحو الذي اتاحه الاسلام بل ودعا اليه!! لقد اخفقت المسلسلات التاريخية في نقل الصورة الحية للاعلام والقدوات الذين تركوا بصمات خالدة لن ينساها الزمن يوماً من الايام. ومازالت هناك ملاحظات آمل ان اشير اليها في الايام المقبلة.