الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 هناك صراع لا تخفى علاماته داخل تنظيم «فتح» على خلافة الختيار، وهذا أمر ليس بالجديد، لكن الصراع أو المنافسة هذه الأيام بين رجال الختيار صارت واضحة على توثيق عرى الولاء والتفاهم مع واشنطن وتل أبيب وعلى حساب ثوابت القضية نفسها. فالانتفاضة التي بدأت منذ أكثر من عامين، والتي زلزلت الكيان الصهيوني وأفقدته صوابه، وخلخلت كل اليقينيات التي كرسها الصهاينة والتي أولها حلم الدولة والأمن والديمقراطية والاقتصاد القوي والآلة العسكرية التي لا تقهر، هذه الانتفاضة التي أعادت الحياة الى عروقنا التي يبستها الهزائم والانتكاسات ورفعت معنويات الشارع العربي، وأوجدت حقائق جديدة على الأرضية السياسية العربية والواقع الفلسطيني الداخلي.. هذا كله ليس سوى خطأ فادح ووهم كبير على الفلسطينيين ان يكفوا عن الجري خلفه لأنه لن يقود الى نتيجة!! هذا الكلام قيل أمام تجمعات فلسطينية، وجاء على لسان رجل يعتبر سياسياً الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية بعد الرئيس عرفات، حيث يشغل محمود عباس (أبو مازن) منصب أمين عام سر المجلس التنفيذي الفلسطيني، وهو قبل ذلك معروف بأنه مهندس اتفاقيات أوسلو، ومن أكثر الأشخاص حظاً في خلافة عرفات (على الأقل في قيادة منظمة التحرير) وفي هذه الأيام فـ (أبو مازن) الرجل المفضل لدى أميركا واسرائيل لشغل منصب رئيس الوزراء الفلسطيني في ظل حركة الاصلاح الداخلي المطالب بها عرفات في خضم التعقيدات السياسية الحاصلة في منحى العلاقة المأزومة بين «اسرائيل» وأميركا من جهة والسلطة الفلسطينية من جهة، والتي تأتي الانتفاضة والعمليات الاستشهادية كسبب رئيسي ومباشر لها. وقبل أبو مازن، تحدث ياسر عبد ربه عن ان الفلسطينيين بامكانهم التنازل عن حق العودة، وقال غيره بأن تسليح الانتفاضة وتوفير الدعم العسكري لها خطأ فادح قاد لما سموه في بعض الأوساط الفلسطينية بـ «عسكرة الانتفاضة»، وهو كلام ليس أغرب منه سوى حديث محمود عباس (أبو مازن) عن وهم الانتفاضة وضرورة التوقف عن محاربة اسرائيل التي وُجدت لتنتصر ولتبقى!! ذلك ان مقاومة ما على مر التاريخ وفي كل مكان من العالم لم تقم ولم تستمر بدون دعم عسكري، وان مصطلح (عسكرة الانتفاضة) مصطلح يثير الشبهة تجاه مطلقيه، ويثير التساؤل حول دوافع اطلاقه والدعوة الى ايقاف الدعم ومنع العسكرة والتسليح خاصة في الأوقات التي يعلو فيها صوت «اسرائيل» بالشكوى المرة من آثار الانتفاضة المدمرة على بنى «اسرائيل» كلها وخاصة على الأمن والاقتصاد! يبدو ان رجال الختيار قد ملّوا من انتفاضة الأقصى وملّوا رؤية الجنازات وصور الثكالى واليتامى، وملّوا من التصريحات الباهتة التي يطلقونها عبر الفضائيات، وملّوا من كونهم لا يمارسون أحقيتهم في السلطة والنفوذ والتنقل بحرية والسفر الى جهات الدنيا الأربع في سبيل (القضية)!! لقد اشتاقوا لسفريات أيام المفاوضات، وأيام أوسلو، وشرم الشيخ وسائر المنتجعات الأميركية والأوروبية، وعليه صارت الانتفاضة عبئاً وكابوساً ليس على شارون وأركان حكومته، بل على رجال السلطة أنفسهم! ولأنه مطلوب منه ان يخدع الملايين وان يبيعهم الوهن والوهم ويوقع في نفوسهم الضعف والتخاذل لأجل مكاسب موعود بها من قبل الأميركان والاسرائيليين، فإنه يصر على مغالطة ليس نفسه فحسب، وإنما مغالطة الواقع ايضاً، وإلا فمن يفسر لنا جملة (أبو مازن) التي يقول فيها: «اننا لن نستطيع من خلال القوة الوصول الى الهدف، إن الانتفاضة لن تسقط شارون لأنها انحرفت عن مسارها الصحيح، وها هو شارون لم يسقط»، وأعتقد ـ حسب كلام أبومازن ـ «إن شارون الآن هو أهم زعيم عرفته الحركة الصهيونية منذ هرتزل...». أبومازن، الأكثر حظاً في خلافة عرفات، والأقرب الى الدوائر الأميركية، ومهندس أوسلو، والرجل الذي يتمتع بدائرة علاقات عربية خليجية قوية، ينسى بأن العالم ولأول مرة يقف من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه ليناصر الحق الفلسطيني والشعب الفلسطيني، وانه لأول مرة في التاريخ يخرج آلاف من البريطانيين ليهتفوا للشعب الفلسطيني ضد الصهاينة وشارون، ذلك لم يحدث بفضل اتفاقيات أوسلو يا سيد أبومازن.. ذلك حدث بفضل قداسة دماء شهداء الانتفاضة شبابهم وأطفالهم ونسائهم، فكف عمّا تطلب، لكن لا تطالب الانتفاضة بأن تكف... فالحق أحق بأن يبقى، أما الزبد فيذهب جفاء!!