الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 مؤشر خطير: بوادر حملة تشكيكية في وسائل الإعلام الأميركية ضد رئيس لجنة التفتيش عن الأسلحة في العراق. وربما يكون الهدف النهائي من الحملة تهيئة اذهان العالم رفض نتائج التفتيش اذا انتهت الى تبرئة العراق. المؤشر الخطير يتمثل في افتتاحية لصحيفة «هيرالد تربيون» وهي من صحف القمة في الولايات المتحدة وتوزع على نطاق العالم ـ ملخصها ان هانز بليكس رئيس لجنة التفتيش الدولية عن أسلحة ومواد الدمار الشامل في العراق شخصية مريبة على نحو ما.. فهو اما يتميز بالجبن أو التردد أو عدم الدقة او عدم الكفاءة.. أو حتى التعاطف مع العراق. لقد اخذت هذه المقالة الافتتاحية على بليكس وصفه لزيارته الاستهلالية الى بغداد بأنها «زيارة بناءة». ومن هذا المأخذ تمضي الصحيفة لتقول: «نأمل بمرور الايام ان يفهم السيد بليكس ان مصداقيته الشخصية صارت على المحك بقدر ما صارت مصداقية صدام حسين». ومن ثم تنتقل الافتتاحية الى الوراء لتقدم للعالم صفحة من ماضي بليكس بهدف اشانة السمعة.. فتروي قصة وقعت في ثمانينيات القرن الماضي عندما كان بليكس المدير العام لوكالة الطاقة الذرية الدولية. في ذلك الحين ـ تقول الصحيفة ـ اعلن بليكس ان العراق خالٍ من الأسلحة النووية. «ولكن العالم اكتشف من خلال الوثائق التي عثر عليها بعد حرب الخليج في عام 1991 ان صدام كان على وشك الحصول على قنبلة خلال شهور فقط». وتنقل الصحيفة بعد ذلك تصريحاً لبليكس الى صحيفة «الغادريان» اللندنية يقول فيه: «ان من الصحيح القول ان العراقيين خدعوا وكالة الطاقة الذرية». وتمضي «هيرالد تربيون» في نبش ماضي بليكس فتقول انه اذا تعلم هذا الدبلوماسي السويدي درساً فانه لم يظهر منه ذلك حين بقى على رأس وكالة الطاقة الذرية الدولية بعد حرب الخليج. كيف؟ تقول الصحيفة ان بليكس كان حينئذٍ يرفض، رغم مناشدات رفاقه في فرق التفتيش عمليات التفتيش الفجائية التي كان من شأنها حرمان العراقيين من وقت كافٍ لاخفاء ما لديهم من أسلحة. هنا يجب ان نتوقف لنتساءل: اذا كانت شخصية هانز بليكس في الماضي بهذا القدر من عدم الكفاءة في أحسن الاحوال أو التواطؤ في اسوئها فلماذا وافقت الولايات المتحدة لاحقاً على تعيينه رئيساً للجنة التفتيش بواسطة مجلس الأمن الدولي؟ لقد جرى اعادة تركيب عضوية لجنة التفتيش وفرقها واستبدال رئيسها بعد ان دمغت فضائح التجسس اللجنة السابقة ورئيسها رتشارد بتلر. بعد احتجاجات قوية من القوى الدولية الاخرى في مجلس الامن الدولي على لجنة بتلر بعد ان ثبت تورط عناصر فيها في عمليات تجسسية قذرة لصالح وكالة الاستخبارات الاميركية والموساد الاسرائيلي اضطرت الولايات المتحدة للموافقة على تعيين لجنة تفتيش جديدة برئيس جديد. فلماذا لم تعترض واشنطن فوراً على اختيار هانز بليكس رئيساً للجنة الجديدة اذا كانت تشتبه سلفا في تعاطفه مع العراق على نحو ما ذكرت «هيرالد تربيون»؟ أحد امرين: اما ان تكون القصة التي روتها هذه الصحيفة الاميركية محرفة بحيث تعطى القاريء انطباعاً خاطئاً عن شخصية السويدي بليكس.. بأثر رجعي. وإما ان تكون الرواية صحيحة.. اي ان بليكس متعاطف فعلاً مع العراق.. وفي هذه الحالة فان عدم اعتراض الادارة الاميركية على اختياره يمكن ان يفسر بأن الولايات المتحدة اضطرت للموافقة على تعيينه تحت ضغط ظروف تورطها في فضيحة التجسس التي احاطت بلجنة بتلر. في كل الاحوال فان افتتاحية «هيرالد تربيون» التي خصصت لهجوم مكشوف على بليكس بأسلوب «اغتيال الشخصية»، ربما تنبيء ان الإدارة الاميركية تضمر شيئاً ما بشأن مستقبل لجنة التفتيش عن أسلحة العراق. ولا استطيع ان أحزر على وجه الدقة ما هو هذا الشيء. كل ما يمكن ان يقال عند هذا المنعطف انه لو ثبت خلال الاسابيع المقبلة ان افتتاحية «هيرالد تربيون» تدشين لحملة اعلامية شاملة ضد رئيس لجنة التفتيش الدولية، فان ذلك سوف يعني ان الولايات المتحدة تهييء اذهان العالم لرفض أميركي للنتائج النهائية للتفتيش اذا اتضح انها تنطوي على تبرئة ساحة العراق. أحمد عمرابي